أباطرة المنشّطات المُخدّرة.. تصاعُد التهريب والاستهلاك المُنظّم

 

 

اللواء أحمد الجمل: تداوُل الكوكايين ليس جديداً في السودان وضبطنا مسافراً أخفاه في (عمامة) كبيرة

المضبوط من المخدرات والمقبوض من المتعاطين ليس مؤشراً على زيادة الاستخدام

حادث بدولة مجاورة كشف تسرّب (كوكايين ) من الإمدادات الطبية ووُضِع سكر في (أمبولات)

المافيا روّجت لتعاطيه بواسطة نجوم ومشاهير باعتبار أنه يؤدي إلى الإبداع

الكوكايين من المخدرات التي تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي المركزي وتزيد نشاطه

رئيس السموم: ظهور مادة من القات منشطة ومهلوسة وتؤدي إلى العنف والقضاء على المتعاطي

مصدر : مشرحة أم درمان استقبلت متوفياً بجرعة هيروين والطوارئ لا يوجد بها فحص السموم والمخدرات

ارتفاع دخل المتاجرين بالكوكايين والهيروين أدى لظهور جرائم غسل الأموال

تحقيق: منال عبد الله

على الرغم من الفرق المعلوم بين (الهيروين ـ الكوكايين) من حيث البيئة التي يتواجدان فيها ومصدرهما ومقدار تأثير كل مادة على الشخص، ولكن عند تناولهما كمنشطات تجعلهما متشابهين لكونهما  أخطر مخدر على حياة الإنسان على الإطلاق.

ورشحت معلومات مؤخراً عن ظهور عصابات مافيا عالمية تروج المنشطات بالعاصمة الخرطوم تستهدف الشباب ولا سيما الأثرياء ونجوم المجتمع عبر نشر عناصرها وتسللهم للبلاد لتهريب هذه المنشطات المخدرة عبر المنافذ المختلفة، في الوقت الذي تعاظمت فيه ضبطيات (الكوكايين+ الهيروين) براً وبحراً وجواً.

(الصيحة) رصدت تفاصيل عمليات التهريب الأخيرة المستحدثة للمادتين وكيفية ضبطها، واتجهت لتحليل هذه الظاهرة عبر خبراء وعلماء في المجال والأسباب المنطقية في بروز هذه العمليات في هذا التوقيت، وتداعيات تعاطي المادتين على الفرد وعلى المجتمع وعلى الدولة، خاصة وأن الجرام منهما يباع بما يربو على الـ(100) دولار في السودان في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

تأكيدات رسمية

باتت الجهات الرسمية وغيرها لا تخفي  تزايد  نسبة تعاطي الهيروين والكوكايين بالبلاد، وهو الأمر الذي أكدت عليه المضابط الشرطية والتي رصدت (الصيحة) ما دونته خلال السنوات والأشهر الأخيرة، مشيرة لضبط طن و631 كيلو من الهيروين العام السابق، فضلاً عن الزيادة الكبيرة في الكوكايين، وضبط 176 ألف حبة العام السابق مقارنة بـ 75 حبة من الكوكايين في العام الأسبق  بزيادة 4 إلى 5 كيلو، وفي وقت سابق ضبطت السلطات بمطار الخرطوم شحنة مخدرات كبيرة من “الكوكايين الخام” تقدر بـ”12″ ك.غ، يبلغ سعرها أكثر من 100 مليون دولار، مُخبأة داخل أواني “سرامس شاي” قادمة من تركيا وخلال هذا العام تعددت الضبطات، ولكن تعتبر ضبطية الـ(10) كيلو جرام من الكوكايين بحوزة امرأة قادة من دولة أفريقية هي الأكبر، وفي العام الحالي ضبطت شرطة ولاية البحر الأحمر بمدينة سواكن كميات كبيرة من خام الهيروين المعروف شعبياً بــ (كرستال) تزن (47) كيلو و(800) جرام وأوقفت (7) متهمين بحيازته بينهم امرأة وهي الضبطية الأكبر من نوعها.

وفككت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات مؤخراً (3) شبكات إجرامية تهرب الكوكايين وحبوب الترامادول المخدرة من شمال دارفور إلى ولاية الخرطوم داخل شحنة كركدي، وابتلاع 178 كبسولة تزن 2 كيلو جرام.

كما أن عملية الإبادة الكبيرة التي نفذتها السلطات المختصة بمدينة بورتسودان في فبراير العام الماضي، بإبادة ما يربو على الطن من الكوكايين والهيروين والمتمثل في نحو ألف و225 كيلوجرام هيروين، و100 “زجاجة” كوكايين، تكشف عن الحجم الفعلي لوجود هذا النوع من المخدرات بالبلاد.

 تفاصيل ضبطيات

كشف اللواء شرطة بروفسير أحمد عوض الجمل مديرمعهد الأدلة الجنائية ورئيس قسم السموم والمخدرات ومستشار مكافحة المخدرات، عن تفاصيل أول حادثة تهريب للكوكايين بالبلاد في العام  1986 عبر مطار الخرطوم، فيما أشار إلى أن تداول الكوكايين ليس بجديد في السودان بحسب تساؤل (الصيحة) عن ظهور مافيا عالمية تروّج الكوكايين بالخرطوم وتنامي أعداد المتعاطين، مبيناً أنه في ذلك التوقيت كان ضابطاً في الأدلة الجنائية وتم إنشاء مكتب في مطارالخرطوم الغرض منه تصفية البلاغات والحالات التي يمكن تدون بلاغات بها من غيرها، منوهاً إلى أنه من أبرز مهام المكتب متابعة المخدرات عند مغادرة الركاب إلى البصات التي تقلهم إلى الطائرات، وذكر أنه في واحدة من الرحلات لاحظ أحد الضباط أن مسافراً عمامته كبيرة، وكان مرتبكاً ويضع يده عليها باستمرار وعند إخضاعه لتفتيش اتضح أنها بدرة في كيس وتأكد بالفحص أنها مادة الكوكايين المنشطة، وكانت كمية كبيرة، وفي ذلك الوقت تم توقيف المسافر بموجب قانون الصيدلة والسموم لأن الحادثة قبل العام 1994 والذي تم فيه اعتماد الكوكايين من المخدرات, فيما أنه كان بالنسبة للشرطة مخدرة.

وتبين تفاصيل واقعة أخرى ذات صلة بالكوكايين طبقاً لحديث البروف لـ(الصيحة)، وقعت أيضاً قبل العام 1994عندما تم اكتشاف تسرب مادة الكوكايين من صيدلية الإمدادات الطبية لإحدى الدول المجاورة، والشخص الذي تعاطاها ارتكب حادثاً مرورياً أودى بحياة شخص آخر في دولة مجاورة، وقادت التحقيقات هنالك إلى أن المادة التي تعاطاها قادمة من السودان وتحديداً من الإمدادات، وأخذت القضية في تلك الدولة مسارها القانوني، ليلحقه تحقيقات واسعة بالسودان حول تسرب المادة من الإمدادات لأنها كانت تستخدم في أغراض علاجية قبل اعتبارها  بالقانون من المخدرات، وكشف أن المادة موجودة في (أمبولات) وتم تفريغها والاستعاضه عنها بسكر مسحون في مكانها ليتم بيعها للمرضى, وقطع البروف بأن تداول الكوكايين وضبطه ليس بالجديد بالبلاد.

وأعلن اللواء شرطة أحمد عوض الجمل عن استخراج كميات من الكوكايين مؤخراً من أفارقة ضبطوا قادمين (ترانزيت) عبر مطار الخرطوم وتم الكشف عليهم بالأشعة والعثور على (4) من بينهم تناولوه  بالفم لأغراض التهريب عن طريق ما يسمى الـ(بغال) أو البلع، وأبان أن هذه الوسيلة في التهريب فيها مخاطر كبيرة جداً وتؤدي إلى الموت، لافتاً إلى أن الضبط يتم بطريقة تقنية عالية في هذه الحالات مع توافرالمعلومات.

مخاطرصحية

قال اللواء شرطة بروفسير أحمد عوض الجمل: نعتبر الكوكايين من المخدرات التي تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي المركزي وتزيد نشاطه لكونه من المنشطات, فيما كان يستخدم لسنوات طويلة جداً في علاج الأسنان بالصيدليات ومعجون وفي عمليات الأنف والحنجرة كمخدر موضعي، قبل أن يتجه العالم إلى إخراجه من القائمة الدوائية جراء ترويجه من عصابات مافيا عالمية.

وذكر في إفاداته التفصيلية لـ(الصيحة) حول الكوكايين أن المدمنين على المادة من الرياضيين والفنانين العالميين وهو ما أدى ترويجه, كما أن تجار المخدرات استغلوا إدمان اللاعب الأرجنتيني (مردونا) والذي كان اللاعب العالمي الأفضل على الإطلاق وصاحب موسيقى الروك الشهير(الفيس برسلي) والتي تسببت في وفاته أخيراً, للترويج لتناول الكوكايين باعتبار أنه يؤدي إلى الإبداع, فيما أنه مادة خطرة وتؤدي للأدمان السريع وتتسبب في أمراض كثيرة إذا تم استخدامها بالحقن وتساهم في نقل وانتشار الفيروسات, ولا يستطيع المتعاطي له ممارسة عمله بصورة طبيعية إن لم يتقاعد عن العمل, وكشف عن استخلاص المافيا العالمية لمادة (الكراك) وهو قاعدة الكوكايين مادة (متميعة)،  وأخطر من الكوكايين وأكثر المخدرات تهريباً إلى دول كثيرة ويتم استخدامها من قبل ذوي الدخل العالي، وارتفاع دخل المتعاطين والمتاجرين بها أدى لظهور جرائم غسل الأموال من تجارة الكوكايين، مؤكداً على أن هذه المواد خطرة جداً إذا كانت “كوكايين” أو “كراك”.

وأعلن البروفسير أحمد أن من أخطر المخدرات التي ظهرت الآن في العالم من مشتقات المادة الفعالة الموجودة في القات وهي مادة الميثوتزرون، أو ملح الحمام، والذي كان استخدامه الأساسي في عمليات النظافة، وهي من المواد التي انحرفت إلى استخدامات أخرى، وخطورة المادة تكمن في أنها منشطة مع هلاوس وعنف شديد جداً وتؤدي إلى القضاء على الشخص ومن معه.

تفاقم النشاط

أوضح أن مخاطر المخدرات تأتي من الجرعة الزائدة أو الاستجابة المختلفة من شخص إلى آخر أو أنه يعاني من مرض ما،  وأن الأسباب كثيرة تتكشف وفقاً لعلم الأدوية والسموم، وبعض مشتقات مادة “الأن فتمين”، وهي من المواد التي كانت تستخدم لمعالجة النشاط المفرط لدى الأطفال، وأول من لقي حتفه بها لاعب لسباق الدراجات سقط ميتاً أثناء السباق، مشيراً إلى أن هذه الحادثة كانت نقطة البداية لمحاربة المنشطات، وتم على إثر ذلك تجفيف السوق من هذه الفايتمينات، وعدد كبير جداً من مشتقات “الآن فايتمين” ظهرت على السطح وتشكل مخاطر صحية كبيرة وتفاقمت في نشاطها في السنوات الأخيرة، المنشطات من المواد المتسببة في إشكاليات على مستوى العالم, و(الأن فايتمين) والكوكاكين من أهم المنشطات التي تتم محاربتها الآن، لأن اللجنة الأولمبية الدولية من خلال لجنتها الطبية بدأت وضع برامج ورقابة وجداول للمواد التي لا يجب أن تستخدم من قبل الرياضيين، وفي العام 1999 تم إنشاء الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات وإصدار القوائم، وأصدرت المواد المحظورة ومن المنتظر أن تصدر قوائم جديدة في العام 2021.

جرعات زائدة

أكد البروفسير أحمد أن الهيروين يختلف عن الكوكايين  وقال إن أول حالات الوفيات بسبب جرعات زائدة من الهيروين بالسودان كانت في العام 1987 بوفاة شخصين، كما لقيت فتاة كانت تقيم في فندق بالخرطوم في العام 1995 مصرعها بسبب جرعة زائدة أيضًا وبعدها توفي عدة أشخاص لذات الأسباب، وأوضح الجمل أنه بسبب عمله في ذلك الوقت بمسرح الحادث وآخرين يؤكد أن الهيروين بدأ ينتشر في ذلك الوقت، إلا أن اتخاذ آليات متطورة في مكافحة المخدرات وتحويل قسم المخدرات بوزارة الداخلية إلى إدارة مكافحة المخدرات أدى إلى تراجع حالات الوفيات، ونبه إلى أن المضبوط من المخدرات والمقبوض من المتعاطين يعتمد على انتشار الأعداد الهائلة من أفراد المكافحة المختصين, وليست مؤشراً على زيادة الاستخدام وإنما مؤشر على كثافة الانتشار من قبل رجال  المكافحة  لزيادة الكفاءة ومقدرات الشرطة في هذا المجال.

وذكر أن الهيروين من مشتقات المورفين المستخلص من الأفيون، وكان مصنفاً كعلاج لإزالة ألم العمليات الجراجية، وتم استخدامه في حالات الأورام السرطانية، ولكن تم اكتشاف أنه يؤدي إلى الإدمان بسرعة, وقطع بأن إدمان الهيروين أمر خطير والشخص المتعاطي أما يجده أو يموت، كما أن نسبة الوفيات به كثيرة لتفاعله السريع مع مكونات أخرى بجسم الإنسان , وأن توقفه فجأة يؤدي إلى أعراض انسحابية خطرة جداً, ومن مخاطره أنه لا يتم أخذه نقياً ويخفف، ويختلف تخفيفه من مافيا ومن تاجر إلى آخر، وفي حال تعاطى شخص اعتاد على تركيز أقل، تركيزاً عالياً من الهيروين، ففي هذه الحالة يتعرض للوفاة، كما أن المشاركة بالحقن بين المتعاطين تؤدي إلى تناقل أمراض أخرى, وأخذ مادة أخرى معه تؤدى إلى تقليل عمل الجهاز العصبي المركزي ومن ثم الوفاة.

وفيات وضبطيات

نفى البروف أن يكون العلاج بالهيرون الذي كان يتم سابقاً وتوقف مدعاة إلى أن يتحول المريض إلى مدمن، نسبة إلى أن العلاج يتم بجرعة محددة للحصول على أثر معين لإزالة الألم في فترة معينة، وعزا ارتفاع حالات الوفيات عالمياً بالهيروين الموجود في السوق غير الشرعي بسبب أن الذي يصنع في مصانع سرية أكثرمن الذي يصنع وفق معامل طبية، مبيناً أن انتشار الهيروين يتم تحديده من خلال الوفيات، مؤكداً على أن بالسودان لم تُسجَّل حالات وفاة حديثاً بالهيروين، وأرجع ذلك إلى أن معظم حالات الوفيات التي تحدث بأقسام الطوارئ بالبلاد تقع لأسباب كثيرة كما أن سبب الوفاة لا يتم تحديده نسبة لأن هذه الأقسام لا توجد بها مختبرات لفحص السموم والمخدرات، وبرر البروف إفادته لـ(الصيحة) حول وجود إحصائيات دقيقة للوفيات بالهيروين بالسودان بأنه في حال وجود اشتباه كان تمت إحاطة قسم السموم والمخدرات علماً، وعلمت الصحيفة أن مشرحة أم درمان استقبلت جثة لشخص توفي بجرعة هيروين زائدة قبل حوالي سنتين.

وأشار إلى أن الهيروين من المواد باهظة الثمن، ومن يتعاطاه إن لم يجده يتسبب في ارتكاب الجرائم وفي مقدمتها السرقة والنهب

لكونه من الصعب التخلص من إدمانه، فضلاً عن ارتباطه بجرائم أخرى خاصة غسل الأموال لأن الهيروين يتحول إلى كميات كبيرة بعد الإضافات والجرعة بسيطة، في الدول الممنوع فيها إيداع مبالغ إذا تجاوزت أرقاماً معينة او فيها تفعيل لقوانين من أين لك، وبممارسة غسل الأموال يتحول المال القذر من خلال مشروع قانوني كالتجارة والاستثمار في بناء المستشفيات والجامعات ويعتبر المتاجرون بهذه المنشطات واجهات مجتمع ، مشيراً إلى أن متعاطيه فى غضون أيام معدودة يمكن أن يتحولوا إلى مدمنين وفاقدين للأهلية والأخلاقيات، وقال إن المنشطات خطورتها تكمن في المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى