Site icon صحيفة الصيحة

حمدوك والحلو.. (العلمانية) وجدل التفويض!

 

* الناطق باسم الشعبية: الاتفاق الإطاري إضافة

* بروفيسور الفاتح محجوب: حمدوك والحلو يقوِّضان اتفاق جوبا

الخرطوم: عبد الله عبد الرحيم- صلاح مختار

على نحو مفاجئ وغير معلن رسمياً اجتمع رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، برئيس الحركة الشعبية- شمال، عبد العزيز الحلو، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لمناقشة عملية السلام، وكسر جمود التفاوض الذي كان منعقدا في جوبا. وتمخض اللقاء الذي عقد بأديس أبابا بين الرجلين عن اتفاق إطاري يقرّ مبدأ فصل الدين عن الدولة في الدستور المقبل للبلاد، أو منح حق تقرير المصير لمنطقة جبال النوبة والنيل الأزرق في حالة رفض الخيار الأول.

وفور وصوله لمطار الخرطوم تدافع العشرات من مؤيدي وأنصار الحركة الشعبية شمال جناح الحلو إلى استقبال د. عبد الله حمدوك بمطار الخرطوم عقب اتفاقه على علمانية الدولة، مهللين ومشيدين بالاتفاق واعتبروه خطوة في مسار بناء مستحقات السلام الحقيقي.

وأحدث الاتفاق الإطارئ الذي تم توقيعه بين رئيس الوزراء والحلو أمس ردود فعل متباينة بين جميع مكونات المجتمع، ففيما اعتبره البعض بخطوة إيجابية ظل نظر الطرف الآخر له بأنه سيكون وبالاً على اتفاق السلام الذي تم توقيعه بجوبا وبالتالي إنه خطوة لتفجير المواقف بين جميع القوى السياسية الفاعلة في المجتمع السوداني وبين الحركات المسلحة حيث رأى البعض أن الاتفاق الذي تم توقيعه مؤخراً مع الحلو خطوة تجاه “إعلان الحرب” مجدداً.

فهل ستحرك الخطوة الواقع السياسي تجاه تحقيق السلام والاستقرار بقبول جميع المكونات السياسية للاتفاق مع الحلو، أم أن تفاصيل الاتفاق ستكون وبالاً حتى على الحلو نفسه؟ وكيف غادر حمدوك للقاء الحلو وهل حمل معه تفويضا لإجراء مثل هذه التفاهمات المصيرية باعتبار أنه رئيس وزراء لحكومة انتقالية والتي ووفقاً لذلك لا يحق له إبرام مثل هذه القرارات والمعاهدات باعتبار أنه لايزال حاكماً لحكومة انتقالية وليس من مهامه تلك الإجراءات؟..

غير معلنة

مصادر أكدت أن حمدوك، غادر إلى أديس أبابا، بطريقة غير معلنة، للقاء عبد العزيز الحلو الذي أبدى في وقت سابق رغبته في لقاء حمدوك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لبحث عملية السلام، واستئناف التفاوض من جديد. تلك المصادر أشارت أيضاً إلى أن الحلو، وصل إلى أديس أبابا، قادماً من العاصمة الكينية نيروبي، لمناقشة رؤيته للوصول إلى اتفاق سلام مع الحكومة. التي طرحها مسبقاً في جوبا. وأفادت المصادر أن اللقاء بين حمدوك والحلو، رتبته أديس أبابا، عبر طرف ثالث لكنها نفت أن تكون هذه الجهة هي حكومة جنوب السودان التي توسَّطت لنحو عام بين الحكومة والجبهة الثورية.

علامة بارزة

غياب الحلو عن مسرح جوبا كان علامة بارزة للمراقبين لعملية السلام، بيد أن الاتفاق الذي وُقِّع بالأحرف الأولى بين الحكومة الانتقالية وقوى الكفاح المسلح ترك الباب مفتوحاً للحوار مع حركة الحلو وعبد الواحد نور. واعتبر الحلو في تصريحات سابقة، أن منهج مسارات التفاوض الذي انتهت إليه مفاوضات الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية (تهرُّب والتفاف على مناقشة جذور الأزمة وأسباب الحرب الأهلية). وهو ما دعا إلى رفض الجلوس أو التوقيع على الاتفاق.

فخ وشَرك

لكن الورقة الإطارية للحلو وحمدوك، اعتبرها محللون فخاً وشركاً كبيراً قد يقوِّض عملية السلام بصورة نهائية لجهة أنها تحمل بذرة فنائها في داخلها، وهذا ما لا يعجب رئيس الشعبية الذي تنسم الهواء عليلاً وهو يرى أنه قد قطع نصف الطريق لتوقيع اتفاق أُحادي يجُبُّ كل ما قبله من اتفاقيات. وأكد بروفيسور الفاتح محجوب عثمان، رئيس مركز الراصد والمختص في العلوم السياسية، أن شرط الوثيقة التي تم توقيعها أساساً من أولويات الحلو وقد دفع بها في مفاوضات جوبا وغادرها عقب مواجهته لرفض قاطع من الوفد الحكومي المفوض وامتناع الوساطة من فرض تلك الرغبات على الحكومة السودانية، حيث كان منطقهما هو أن هذه أمور قطعية ولا تستطيع الحكومة الانتقالية البتّ فيها ومن الأفضل أن تترك للحكومة المنتخبة. وقال محجوب إن الاتفاق الإطاري غير ملزم بيد أنه أكد لـ(الصيحة) أن مثل هذه القرارات تحتاج لتفويض، على الأقل من المجلس السيادي والحاضنة السياسية من الحرية والتغيير.

موانع التفويض

وقال الفاتح إن تقييم مثل هذه الأوراق الإطارية لن يؤدي إلى اتفاق سلام مع الحلو لأسباب كثيرة ومتنوعة أهمها أن الشخص الذي يبدأ بفرض العلمانية أو تقرير المصير يضع مجموعة من الموانع التي تجعل الوصول معه لاتفاق كامل صعباً جداً، وأشار إلى أنه قد أشار في تصريح سابق إلى أن أي اتفاق يتم مع مالك عقار والجبهة الثورية لن يعترف به ويعتبر نفسه ممثلاً لجنوب كردفان والنيل الأزرق لوجود جماعة منشقة من عقار معه في الحركة الشعبية ولذلك فإن الاتفاق الذي وقعه عقار ليس له قيمة عند الحلو مما يضع الاتفاق الذي وقعه بالأمس مع حمدوك في موقع رفض أيضاً لدى الطرف الآخر. وزاد بأنه لا يعتبر خطوة حقيقية نحو السلام الشامل وإنما خطوة قد تنزع فتيل الحرب مرة أخرى وبالتالي فهو خطوة نحو الحرب. وقال إن البروتوكل ملغوم. مشيرا بذلك إلى أن الحكومة الانتقالية غير مفوضة لإبرام مثل هذه الاتفاقيات ولذلك فإن محجوب يرى أن حمدوك كان غير موفق في إبرام هذا الاتفاق.

نقطة إيجابية

ورغم الفخاخ الكثيرة التي احتواها البروتوكول إلا أن المحجوب يرى أنه يحمل نقطة إيجابية وحيدة، إذ أنه أبقى على استمرار وقف إطلاق النار، وقال إن الحلو هو المستفيد الأكبر منه لجهة أنه يضمن له حرية التنقل والسفر عبر وسائل المنظمات الدولية التي كانت ممنوعة من قبل النظام البائد حيث أصر نظام المخلوع على عدم السماح للإغاثة بالتدفق لمناطق الحركة إلا عبر الخرطوم وعبر تفتيش دقيق بينما أتاح له هذا الاتفاق حرية الحركة وحقق له الوضع الأمثل بالمحافظة على الوضع الحالي في وقت يعلم فيه تماماً أن الاتفاق الذي تم غير قابل للتنفيذ لعدم تفويض رئيس الوزراء بالبت في قضايا مصيرية مثل تقرير المصير أو فرض العلمانية على السودان. وأكد أنه إلى الآن لا الجيش ولا قوى الحرية والتغيير مفوضان للبت في قضايا مصيرية وقد أكدا بأنه يجب ترحيلها للحكومة المنتخبة.

أيام صعبة

لكن سعودي عبد الرحمن، الناطق باسم الحركة الشعبية قطاع الشمال مجموعة عقار، يرى أن الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه أمس بين الحلو وحمدوك قد تم التوصل إليه من زيارة الأخير إلى كاودا خلال الزيارة الشهيرة وزاد بأن ما يؤكد هذه الفرضية هو أن الحلو قد رفض لحمدوك استصحاب أي قيادات عسكرية من القوات المسلحة أو الأمن معه خلال تلك الزيارة حفاظاً على ما يمكن أن يتم التوصل إليه من اتفاقيات. وقال سعودي لـ(الصيحة) إن الاتفاق يمكن أن لا يخصم من اتفاق جوبا إذا ما تنازل الحلو وعقار عن مواقفهما الشخصية وتناسيا خلافاتهما ولكن إذا ما أصر كل منهما على مواقفه المتعنتة ومالا (لتكبير الكيمان) من الجيوش فإن شبح الخلافات قد يطيح بكل الاتفقيات التي توصلا إليها مع الحكومة إن كان في جوبا أو في أديس أبابا حسب ما أعلن مؤخراً.

وزاد: “إذا تشعب الوضع بين قائدي الشعبية في المنطقتين مالك والحلو سنعيش في المنطقتين أياماً صعبة وقد تشتعل نار الحرب مجدداً”. نافياً أن يكون للاتفاق الإطاري تأثير على اتفاق دارفور بأي حال من الأحوال. وأهاب عبد الرحمن بالحلو وعقار أن يتفقدا الحال بالمنطقتين اللتين يعيش إنسانهما على حافة الفقر والضياع وهما يعانيان الأمرين وبحاجة ماسة لجهود الحركة الشعبية وأن الخلافات الدائرة لا تخدم إنسان المنطقة الذي يتوق للأمن والاستقرار، وظل يطالب بتوقيع السلام بأسرع ما يكون طوال السنوات الماضية، وأكد أن اللحظة قد حانت لإنجاز هذه الرغبة وأن الاتفاقين اللذين تم توقيعهما قد يعيدا الاستقرار للمنطقة التي عاشت سنيناً من الحرب والضياع.

ترتيب المسارات

مصدر سياسي أكد لـ(الصيحة)، أن رئيس الحركة الشعبية أبدى رغبته في لقاء رئيس الحكومة الانتقالية د. حمدوك لتوضيح موقفه بشأن التفاوض حول عملية السلام وضرورة ترتيب المسارات، إلى جانب أنه أراد الحصول على تطمينات من حمدوك بشأن مشاركته في المرحلة المقبلة.

لقاء مكرر

لقاء حمدوك والحلو ليس الأول، فقد سبق أن زار حمدوك، برفقة عدد من المسؤولين معقل رئاسة الحركة الشعبية في “كاودا” بولاية جنوب كردفان في 9 يناير الماضي وهي زيارة وصفت بالتاريخية.

وبدا الحلو متفائلاً ومسروراً لتلبية حمدوك دعوته بزيارة كاودا، مؤكداً على العمل من أجل دولة ديموقراطية موحدة. وقال: (أنا ممتن أن أكون جزءاً من هذه اللحظة التاريخية المهمة، لحظة نعترف فيها جميعاً بدورنا الفردي والوطني من أجل تحقيق السلام والاستقرار في السودان).

تدعيم الاتفاق

ولأن طريق المليون ميل للسلام بدأ في جوبا، فإن البحث عن السلام عملية مستمرة، ولذلك امتدح الكاتب والمحلل السياسي عبد الله آدم خاطر في حديثه لـ(الصيحة) ما يقوم به حمدوك من جهد ومحاولاته المختلفة التي ظل يقودها- كما قال- بتواضع للتواصل مع الأطراف التي لم تكن جزءاً من عملية السلام في جوبا منهم الحلو وعبد الواحد محمد نور. وأكد أن اللقاء مع الحلو في أديس أبابا ليس الأول وإنما هو امتداد لحوارات تواصلت، من شأنها تدعيم التوقيع على اتفاق سلام جوبا، وأبان أن الاتفاق بين السودانيين فرصة خاصة تنقل السودان من المركزية إلى آفاق اللامركزية، وأضاف: “لابد أن نقدم الإنتاج الإقليمي والولائي والمحلي، وهو صاحب الصورة والمعني بالسلام في جنوب كردفان والنيل الأزرق أو في بقية بقاع السودان، وهي مناطق إنتاج تقرر مستقبل السودان”. وأكد أن حمدوك يشكر على ما يقوم به لأن القاعدة لدى السودانيين كيف يكونوا مواطنين في بلد يملك الإمكانيات والقدرات والقوة للاستمرار كأسرة واحدة.

أهداف الشركاء

ورأى خاطر أن مطالبة الحلو بالعلمانية وتقرير المصير ليست أهدافاً في حد ذاتها وإنما الأهداف لدى كل الشركاء أن تكون هنالك عدالة انتقالية مستمرة تنقل البلد من مرحلة التخلف إلى منطقة الحداثة ومن العطالة للإنتاج ومن الشمولية إلى الديمقراطية ومن السلبية إلى الإيجابية. وقال: “إذا تمت خلال العمل الفدرالي تساعد كل الأطراف كي تتنافس بشكل أفضل وهو المطلوب”.

حلو ومر

واعتبر المحلل السياسي د. صلاح الدومة لـ(الصيحة) لقاء حمدوك بالحلو تراجعاً من الأخير، باعتبار أنه خضع للضغط الشديد والنقد اللاذع الذي وُجّه له من كل السودانيين وحتى من داخل حركته باعتبار أن موقفه غير منطقي وغير عقلاني، الأمر الآخر أن الحلو وُوجِه بنقد واسع من الخارج بسبب موقفه من مفاوضات جوبا، من الاتحاد الأروبي وأمريكا وبريطانيا الذين شكلوا عناصر ضغط على الحلو وحملوه على التراجع. وقال الدومة: “الشظف ورفع سقف المطالب فتح لنفسه ذلك النقد الحاد وتراجع أمام تهديد الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، إضافة إلى أنه وضع الحكومة الانتقالية أمام أمرين أحلاهما مر بشأن مطالبته بالعلمانية مقابل تقرير المصير في وقت الحكومة الانتقالية ليست صاحبة السلطة في تقرير ذلك”. وقال: “ما في جهة تفتي في قضية مصيرية”، وقال إن طرحه ينقصه الذكاء.

فرضية اللقاء

ومال أمين الإعلام والناطق الرسمي باسم حركة العدل والمساواة الموقعة على السلام أحمد عبد المجيد إلى فرضية أن اللقاء تم بترتيب عبر وسيط إفريقي وهو يعزز الموقف الطبيعي للحلو وليس بعيداً عن زيارة حمدوك لكاودا الذي وقف من خلاله على إمكانيات وقدرات الحلو، وقال لـ(الصيحة): “الجلوس مع الحلو واحدة من تحديات عملية السلام كما يأتي اللقاء في إطار مسعى حمدوك لوضع بصمته في ملف السلام بجانب الحاضنة السياسية والعسكرية”. وأكد أن الجهد إن نجح سيسهم مباشرة في إذابة الرواسب وإيجاد تطمينات للحلو بشأن أطروحاته، وقال إن إضافة الحلو تعني الوصول إلى سلام كامل.

إذابة التحديات

واعتبر عبد المجيد الجهد الذي يبذل يُمكّن من إذابة التحديات المطروحة بأن تلك القضايا المطروحة تناقش بشكل مفتوح، وأكد أن التحديات كانت في عدم لحاق الحلو وعبد الواحد بعملية السلام، واعتبر ما طرحه الحلو من قضايا فيه نوع من الشمولية, ولذلك كان لابد من مناقشتها في إطار القضايا القومية، كما أن النقاش مع الحلو يُزيل مخاوفه بشأن القضايا التي طرحها في  التفاوض، واعتبر تلك نقطة جوهرية يتفق معه فيها الكثيرون في إطار الحديث عن السودان في الألفية الجديدة.

Exit mobile version