الانفجارات المتكررة.. من المسؤول؟!

 

 

مُحِّلل عسكري: مخازن المتفجرات يجب أن تكون خارج سكَن المواطنين

خبير دفاع مدني: جميع مؤسسات الدولة لا تتّبِع إجراءات السلامة والتخزين

مصدر أمني: انفجار الشجرة المحدود كان في ذخائر كلاشنكوف

 

بات من المألوف أن يحدث انفجار هنا وهناك مرة بعد أخرى، كما حدث مؤخراً بمصنع اليرموك في الخرطوم, لكنه يمر كأن شيئاً لم يحدث ودون أن تظهر نتائج للتحقيقات التي تتم، وقد تكون تلك الانفجارات نجمت جراء عدم اتباع إجراءات السلامة والإرشادات وصاحبها تقصير يجب أن يُحاسَب فاعله لأنه في غالب الأمر يتسبب في موت أشخاص لا ذنب لهم في الأمر سوى أنهم كانوا حضوراً في الزمان والمكان الخاطئيْن، كما يحدث إتلاف لمنشآت وأصول عامة أو خاصة يحتاج أصحابها إلى سنوات من أجل إعادة تأهيلها مرة أخرى، وما أكثر تلك الحوادث والأمثال التي راح ضحيتها عدد من الأبرياء، بينما لا يزال المصابون قيد العلاج والمتابعة الطبية دون تعويض، مما يشير إلى أن الإجراءات القانونية ما زالت ضعيفة وتحتاج إلى مراجعتها أو تطبيقها بجدية وحسم، وما نشاهده في محطات الوقود أكبر دليل على عدم الالتزام بإجراءات السلامة من المحطات ومُتلقّي الخدمة على حد سواء، فمن المسؤول وما هي الحلول؟!

 

تحقيق- النذير دفع الله

 

الشفاء و(السوناتا)

في أغسطس 1998م اخترق عدد من الصواريخ الأمريكية المجال الجوي السوداني واتجهت صوب مصنع الشفاء بالخرطوم بحري بعد أن تم توجيهها بشكل دقيق لم يخطئ الهدف دون أن تحدث تلك الصواريخ أي خسائر في الأرواح للاختيار الدقيق للتوقيت، بينما في العام 2012م اخترقت طائرة المجال الجوي السوداني وأطلقت صاروخاً على سيارة في مدينة بورتسودان ما أودى بحياة رجل أعمال وما عرف وقتها وإلى الآن بحادثة (السوناتا)، بينما اتهمت الخرطوم إسرائيل بتنفيذ الهجوم دون مزيد من التفاصيل أو الإجراءات ولا زالت التفاصيل غامضة.

حادثة اليرموك

وفي أكتوبر 2012م، قصفت جهات مجهولة مصنع المهمات العسكرية (اليرموك) جنوبي الخرطوم مما أدى لمقتل شخصين على الأقل وخسائر مادية لم يُقدّر ثمنُها في وقتها، بينما اتهم السودان  أيضاً إسرائيل بالوقوف وراء قصف مجمع الصناعات العسكرية، وقالت مجموعة (ساتلايت سنتينيل بروجيكت) والتي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها عن صور التقطتها الأقمار الاصطناعية أظهرت ست حفر كبيرة يبلغ عرض كل واحدة منها 16 متراً في موقع مصنع اليرموك العسكري في العاصمة السودانية، وقالت المجموعة نفسها إن الحفر في موقع الانفجار تتطابق مع شكل الأضرار التي تنجم عن ذخائر يتم إلقاؤها من الجو، وتابعت أن صوراً التُقطت بالأقمار الاصطناعية قبل أقل من أسبوعين من الانفجار تظهر حوالي أربعين حاوية شحن متوقفة قرب المبنى، بينما قالت الحكومة وقتها إن إسرائيل هي من وراء القصف، وإنها تحتفظ لنفسها  بحق الرد في المكان والموعد اللذين تختارهما، بينما أشار وزير الإعلام وقتها أن أربع طائرات شاركت في الهجوم الذي وقع بعد منتصف الليل، وكشفت الحكومة  أن الأدلة التي تشير إلى إسرائيل عثر عليها بين بقايا المتفجرات، فيما لا زالت القضية عالقة حتى سقوط الحكومة نفسها.

ناقلة النفق

وفي أبريل من العام  2015م، أدى انفجار ناقلة غاز أسفل نفق جامعة الخرطوم إلى مقتل وإصابة (19) شخصاً على الأقل بعد أن امتدت النيران إلى بص ركاب وثلاث  سيارات أخرى، وهزّ الانفجار المناطق حول الجامعة والتي كانت على مقربة من القيادة العامة للقوات المسلحة، ووقع الحادث عندما حاول سائق (تانكر) محمل بالغاز عبور نفق السكة الحديد إلى شارع الجامعة، لكن ارتفاع الشاحنة أدى إلى ارتطامها بهيكل الجسر الحديدي منذ حقبة الاستعمار، ما أدى إلى انفجار ضخم اشتعلت على إثره النيران التي ساعد ارتفاع درجات الحرارة في اندلاعها، بينما طالب الجهات الرسمية بعدم السماح بترحيل ونقل وتفريغ الغاز أثناء ساعات النهار وفي درجات الحرارة العالية.

سوق الشجرة

لم يمض عام من حادثة كوبري الجامعة حتى حدث في مايو من العام 2016م انفجار آخر لتانكر غاز أصيب على إثره (16) شخصاً بجروح متفاوتة بسوق الشجرة بأم درمان أثناء عملية تفريغ الغاز لأحد المخابز، مما تسبب في حدوث حالة من الهلع بين المواطنين خصوصاً بعدما علت النيران وغطّت أنحاء واسعة من المنطقة، وتم نقل المصابين  غلى حوادث مستشفى أمدرمان تراوحت حالاتهم بين الحريق السطحي (من الدرجة الأولى وواحدة متوسطة) والإصابات الخفيفة دون مراعاة لأي ضوابط تتعلق بالتعليمات واتباع الإرشادات.

مصنع السيراميك

في ديسمبر من العام 2019م، لقي أكثر من (23) شخصاً مصرعهم وأصيب العشرات جراء كارثة انفجار مصنع سالومي للسيراميك إثر حريق نجم عن انفجار في داخل المصنع بسبب انفجار تانكر للغاز كان يقوم بتفريغ حمولته في صهاريج أرضية.

ضعف البيانات

بينما في كل البيانات الصحفية التي صدرت من وزارة الداخلية لم تتجاوز الوقائع الحالية دون النظر والالتفات للأسباب واتباع الإرشادات، ومن ثم اتخاذ الإجراءات القانونية الصحيحة ومتابعتها خاصة تلك المتعلقة بالتعويضات منعاً لوقوعها وحدوثها مرة أخرى بينما هو الحال في البيانات السياسية المتعلقة بالولاة والمسؤولين وعدم وضوحها والهروب من واقع الحال ومواجهة الكارثة والعمل على وضع حلول لها، وما قاله والي الخرطوم وقتها عبد الرحمن الخضر من أن حادثة اليرموك لم تتعدّ كونها حريقاً ناتجاً من التماس كهربائي لعامل (لحام) هو تجسيد لواقع الخطاب والكيفية التي كانت تتعامل بها أجهزة الدولة في مثل هكذا كوارث.

مخزن الشجرة

ويبدو أن ذات الأمر ما زال قائماً في عدم اتباع الوسائل العلمية والحديثة في كيفية التعامل مع المواد المتفجرة وشديدة الاشتعال من بعض المؤسسات العسكرية، حيث وقع انفجار يوم الجمعة الماضي  في مخزن صغير للسلاح بمنطقة الشجرة جنوب الخرطوم، بينما أوضحت وزارة الداخلية في بيانها أن الانفجار تزامن مع وجود ألعاب نارية في سماء العاصمة بسبب الاحتفال بالعيد (66) للجيش السوداني، مؤكدة أن السلطات تعمل على حصر الخسائر وتحديد أسباب الحادث، بينما قالت القوات المسلحة إنها شكّلت مجالس تحقيق لمعرفة أسباب الحريق المحدود الذي شبّ في مخزن ذخائر مستخدم للأغراض المدنية بمجمع الشجرة الصناعي، وأكّد بيان للمستشار الإعلامي للقائد العام للقوات المسلحة أن الذخائر المستخدمة في القوات المسلحة يتم تخزينها خارج نطاق المجمعات السكنية، مشيراً إلى أن الحريق لم يُسفر عن أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات، ولفت البيان إلى إصابة اثنين من طاقم الإطفاء إصابات خفيفة.

فعل فاعل

ومن جانبه، قال مصدر أمني مطلع لـ(الصيحة)، حول ما حدث في انفجار مصنع الشجرة، أن المصنع أنتج ذخائر جديدة كان يجب أن تكون خارج المنطقة المحددة أو خارج المدينة، ولكن لسوء التخطيط ظلت هذه الذخائر موجودة في مكانها إلي أن حدث الانفجار، وأضاف المصدر أن الانفجار الذي حدث يوم الجمعة الماضي في مصنع الشجرة المُستخدَم في بعض الصناعات العسكرية كان انفجاراً في ذخيرة سلاح الكلاش، وهي ذخائر محمية لا تنفجر بسهولة، كما أن المصنع تتوافر فيه كل إجراءات السلامة، مشيرًا إلى أن الذخائر دائمًا يتم تخزينها في مخازن طرفية، مبيناً أن ذخيرة الكلاش لا تنفجر إلا عبر حريق أو فاعل، كاشفاً عن وجود  سبب ما زال قيد التحقيق.

وقال إن انفجار مصنع اليرموك قبل سنوات كان بسبب أن بعض العمال الذين يعملون في نظافة وتقطيع الأشجار أرادوا صناعة وجبة فقاموا بإشعال النار والتي كانت سببًا أساسياً في عملية الانفجار.

دوائر احتياطية

الخبير العسكري، الناطق الأسبق باسم القوات المسلحة الفريق أول ركن محمد بشير سليمان، قال لـ(الصيحة): “هنالك دوائر واحتياطات أمان كافية يجب اتباعها تجاه المنشأة التي توجد بها ذخائر أو متفجرات منها طريقة الدخول إلى المنشأة ونقطة المراقبة أو الحراسة والمدخل الخاص وتواجدها في الأوامر المستديمة، وأضاف: يُمنع الدخول إلى هذه الأماكن عدا المختصين الذين يخضعون لإجراءات سابقة، بينما يجب على كل مسؤول مهما كانت صفته الالتزام والخضوع للإرشادات”.

وأكد سليمان أن الذخائر بمختلف أنواعها يجب أن يتم تخزينها بعيداً عن أماكن سكن المواطنين حتى إذا حدث أمر ما لا تتأثر المرافق السكنية للمواطنين، مشيراً إلى أن طريقة التخزين يجب أن تكون حسب المواصفات المهنية المعمول بها في العالم، وأوضح سليمان: يجب معرفة خواص الذخائر وتاريخ الانتهاء ومراجعتها التأمينية لفترات محددة وتوضيح ذلك في الأوامر المستديمة، فضلاً عن مراجعة الإضاءة والتهوية والدائرة الكهربائية، مشدداً أن عدم الالتزام بتلك الإجراءات من شأنه أن يؤدي إلى تلك الانفجارات والحوادث.

المعايير العالمية

مدير الإدارة العامة للدفاع المدني هاشم حسين عبد المجيد، أكد لـ(الصيحة)، أن المؤسسات العامة ومنها ذات الخطورة العالية لا تلتزم في الغالب بإجراءات السلامة، مضيفًا أنها إذا التزمت بها فإنها لا تستعين بأصحاب الاختصاص لمتابعة صلاحية الإجراءات ومراجعتها وفعاليتها، وقال هاشم: لدينا مشكلة في عمليات التخزين في السودان سيما بعض المواد الخطرة، بحيث لا تُتَّبَع فيها إجراءات أسس التخزين السليمة والمواعين المعينة، وأضاف أن عمليات التخزين لديها أسس ومعايير عالمية (استاندرد).

وأشار هاشم إلى أن المواطنين أيضاً لديهم جهل في التعامل مع المواد البترولية المتفجرة والمشتعلة مما كان له الأثر في وقوع عدد من الحوادث والانفجارات لحاملات الغاز والوقود، فضلاً عن عدم متابعة تلك المواعين ومراجعتها، منبهًا بضرورة مراجعة مدة صلاحية المواعين، كاشفًا أن بعض الاسطوانات قد انتهت مدة صلاحيتها. وبيَّن هاشم أن سائقي تناكر الغاز غير ملتزمين بإجراءات السلامة من توصيل الأرضي ومتابعة عملية التفريغ ما تسبب في عدد من الحرائق والحوادث، داعياً المواطنين لعدم تخزين اسطوانات الغاز في المنازل مع ضائقة عدم توفر الغار لما لها من خطورة كبيرة إذا حدثت ستكون خسائرها وعواقبها كبيرة.

من جانبه قال هاشم، إن ما حدث من انفجار داخل أحد المصانع في منطقة الشجرة لم يكن كبيراً حسب المواد الموجودة في تلك المخازن أو المصانع، حيث تم تداركه سريعاً دون وقوع إصابات ولكن الأمر يحتاج إلى تكامل جهود الدولة فيما بينها حتى نستطيع التعامل مع إجراءات السلامة بصورة صحيحة واعتماد طرق وأساليب التوعية في كل مؤسسات الدولة سيما ما نواجهه حالياً في فصل الخريف الذي كان من أجمل فصول العام أصبح حالياً من أخطر فصول العام.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى