دَوْلَة رئيس اللِّجان..!!

:: ومِن نَوادر الرئيس الراحل جعفر نميري، رحمة الله عليه، أنّه أكثر من إحالة ملفات القضايا إلى (لجان).. وما أن يأتيه أيِّ وزير أو مُدير بقضية بحاجةٍ إلى قرار حاسم يأمر بإحالتها إلى لجنة.. وهذا ما أزعج أحبابه، فنبّهه أحدهم إلى خطأ نهجه، مُوضِّحاً أنّ هناك قضايا حُلُولها بيده ولا تستدعي تشكيل لجان، بل يجب حسمها بقُوة المُؤسّسية، أو هكذا كان النصح.. ويبدو أنّ نميري لم يكن مُنتبهاً للناصح، ولذلك ما أن أكمل الرجل نصيحته، عاجله قائلاً: (خلاص بعدين نَشكِّل لجنة تشوف الموضوع دا).. فخرج الناصح مُحبطاً..!!

:: واليوم، كما الحال في عهد النميري، وكذلك في عهد المخلوع، تنتهج دولة رئيس الوزراء ذات النهج، ولم تُطوّر.. أي هُناك قضايا بحاجةٍ إلى حُلولٍ مُؤسّسيةٍ، ولكن دولة رئيس الوزراء تستبدل الحُلُول المُؤسّسية بتشكيل اللجان وإحالة القضايا إليها.. ولو أخضعنا الصُّحف إلى مُراجعة، تكاد تكون مُفردة (اللجنة) هي الأكثر حُضُوراً في الأخبار ذات الصِّلة بقضايا الناس.. ولا يَمُر أسبوعٌ – في هذا الوطن المنكوب بالقضايا – بدون خَبرٍ عَن تَشكيل لجنة لمُناقشة (قضية ما) أو للتحقيق في (قضيةٍ مَا).. إنّها دَولة لجان..!!

:: وعلى سبيل المثال، نقرأ ما يلي.. (أصدر رئيس الوزراء حمدوك، قراراً بتشكيل لجنة قومية عُليا لإنجاح المُوسم الزراعي الصيفي برئاسته وعُضوية آخرين، وتَختص اللجنة بالرصد لاحتياجات المُوسم الزراعي الصيفي المُتعلِّقة بتأهيل البنى التحتية، وتوفير مُدخلات الإنتاج، وغيرها للقطاعات الزِّراعيَّة كَافّة، مع وضع خُطة لسد النقص في مدخلات الإنتاج والآليات قبل وقتٍ كافٍ من انطلاق الموسم الزراعي الصيفي، وتحديد كيفية توفير الموارد اللازمة لوضع الخُطة، و..و..)..!!

:: تلك آخر لجان رئيس الوزراء.. عَفواً، تلك لجنة تَمّ تشكيلها عند الخامسة مساء الأمس، وهذا تَحسُّباً لإصدار سيادته قرارات أُخرى بتشكيل لجان أُخرى قبل مُثُول الصحيفة للطبع.. وإذا لم أكن مُخطئاً، فإنّ مهام هذه اللجنة هي ذاتها مهام وزارة الزراعة، وكما أنّ هذه اللجنة، قومية فإن وزارة الزراعة أيضاً قومية.. ثُمّ أنّ رئيس الوزراء الذي يرأس هذه اللجنة الزراعية، هو ذاته رئيس الوزراء الذي يرأس كل أجهزة الدولة التنفيذية، بما فيها الأجهزة ذات الصلة بالقطاع الزراعي.. إن كان كذلك، فلماذا يختزل سيادته حكومته في لجنة..؟!

:: وما عدا اللجان ذات الصلة بفض الاعتصام والمسيرات، وكما حَدَثَ في هذه اللجنة الزراعية، فإن كل لجنة يُشكِّلها رئيس الوزراء ثُمّ يرأسها – سيادته أيضاً – وكأنّه يستطيع أن يُنجز من رئاسات اللجان ما لا يستطيع إنجازه من رئاسة مجلس الوزراء.. أي نفهم أن يُشكِّل سيادته لجنة خُبراء – من خارج الجهاز الحكومي – لوضع خُطة للمُوسم الزراعي، أو لجنة خُبراء – من خارج الجهاز الحكومي – لوضع خُطة لحل الأزمة الاقتصادية، ولكن كيف نستوعب أنّ سيادته يصبح رئيساً للجان عُضويتها وزراء حكومته..؟؟

:: عَلَى كُلٍّ، اللجان لا تُليق بدولة المُؤسّسات.. فالمُؤسّسات هي التي تنهض بالأوطان، وليس اللجان.. وكثيراً ما ناشدنا رئيس الوزراء بأنّ الخراب الذي أحدثه النظام المخلوع في مُؤسّسات الدولة بحاجةٍ إلى ثورة إصلاح، وليس ثورة لجان.. ولإشعال ثورة الإصلاح، طالبناه بالتخلُّص من الصناديق والهيئات والمَجَالس، وما لم يتخلّص من هذه الأوهام، فلن تصلح حكومته ما أفسده النظام المَخلوع.. فما بال رئيس الوزراء يمضي على ذات (الخُطى العشوائية)، ويُشَكِّل اللجان، وكأن الصناديق والمجالس والهيئات لا تكفي تعطيلاً للأعمال وإهداراً للأموال..؟؟

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى