Site icon صحيفة الصيحة

المدينة الرياضية.. من أرض الأحلام إلى قفص الاتهام!!

نائب الرئيس.. الوالي.. يوسف عبد الفتاح وبانقا أبرز الأسماء في مؤتمر (البوشي) والمُؤبّد يُهدِّد رموز النظام السابق

مُخالفات دستورية، جنائية، إدارية، مالية وهندسية.. ومساحات ضخمة تخصّص لجهات (مجهولة الهوية)

خالد سيد أحمد: النيابة يُمكن أن تُوجِّه التُّهم لأعدادٍ كبيرةٍ.. العقوبات تصل حد الأعدام.. وتشكيل محاكم خاصّة يُساعد على سرعة الفصل

ناصر بابكر

(العمل سيتوقّف تماماً لحين الفصل في القضية، نحن لا نبحث عن إنجازات جوفاء وحياة الإنسان بالنسبة لنا أهم وأقيم ألف مرة من إنجازات غير حقيقية)، بتلك الكلمات أعلنت وزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي إيقاف العمل في المدينة الرياضية بعد أن عقدت جلسة مع النائب العام أمس الأول، وفتحت بلاغاً لدى نيابة مكافحة الفساد بعد تسليم كافة المستندات المتعلقة بالتعديات التي تمت على أراضي المدينة الرياضية والمُخالفات الإدارية والمالية والهندسية التي صَاحبتها لتضع مجموعة من رموز النظام البائد في قفص الاتّهام وفي مواجهة عقوبات يُمكن أن تصل للسجن المُؤبّد أو الإعدام بحسب تأكيدات قانونيين لـ(الصيحة).

القرار (45)

كشفت وزيرة الشباب والرياضة خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته بوكالة “سونا” مساء أمس الأول، أنّ فكرة إنشاء المدينة الرياضة لم تبدأ في العام 1991 كما يعتقد كثيرون، بل بدأت في العام 1966 بواسطة شركة بلغارية، لكن مشاكل التمويل حَالَت دُون تنفيذ الفكرة، وفي العام 1991 أصدر رئيس النظام البائد عمر حسن أحمد البشير القرار رقم (45) بنزع ملكية أراضي الساقية بمساحة (354,23) فداناً ما عدا الحصص 33/1 – 33/15  وتخصيص مساحتها لإنشاء مدينة السودان الرياضية.

تعويض وبيع استثماري

رحلة التعديات على المدينة الرياضية شملت مربع 26 (غرب المدينة الرياضية) ومساحته (3230850) متراً مربعاً بعدد (369) قطعة سكنية مساحة القطعة (500م)، علما بأنّ القرار التخطيطي حدّد التعويض بعدد (358) قطعة، والمفاجأة أنّ المراجع العام أفاد في تقريره أنه لم يجد ما يفيد باستلام أصحاب التعويضات لتعويضاتهم، علماً بأنّ التعويض تمّ على مساحة (179,500م) وباقي المساحة تم التصرف فيها بالبيع الاستثماري بواسطة ولاية الخرطوم وقدرها (144,350م).. مع الإشارة إلى أنّ صور تنفيذ القرار وُزِّعت لعدد 13 جهة ليست من بينها وزارة الشباب والرياضة (المالك) لتلك الأراضي.

وَلَم تَتَوَقّف التّعديات عند الجهة الغربية فحسب، فحدثت تعديات على جنوب المدينة الرياضية مربع 29 على مساحة (139,500م) لـ(196) قطعة سكنية.. وامتدت التعديات لجنوب شرق المدينة الرياضية حيث حدث تعدٍ على مساحة (55,500م) وزّعت بموجبها عدد (92) قطعة استثمارية، ووزّعت تلك المساحات عن طريق خطاب صادر من مساعد المدير العام للإيرادات بولاية الخرطوم في ذلك الوقت (عام 1997)، وأيضاً تم توزيع صور القرار للتنفيذ لعدد (13) جهة ليس من بينها وزارة الشباب والرياضة المالك لتلك الأرض.

وَشَملت التعديات شرق المدينة الرياضية، القطعة رقم 339 بمساحة (11,359م) والقطعة رقم 394 بمساحة (17,040م) وأنشئ عليها قاعة مؤتمرات وخُصِّصت لمنظمة طوعية، وتم بيع قطعتين استثماريتين بمساحات (4,589,44م) و(11,359,43م)، وفتح شارع شرق المدينة الرياضية بعرض 30م.. والقطعتان بالرقمين 332 و330 بمساحة (4800م) بيعتا كقطعتين استثماريتين دُون وجود قرارٍ تخطيطي بشأنهما.

مجهول الهوية

كشف تقرير المراجع العام وبحسب المؤتمر الصحفي لوزيرة الشباب والرياضة الاتحادية ولاء البوشي، أنّ هنالك مساحات خُصِّصت نهائياً لأجسام اتضح بعد المراجهة أنها لا تتبع لأية جهة ولا يعرف عنها شيئاً مثل القطعة رقم (235) البالغ مساحتها (110,000م) والتي خصّصت نهائيات لـ(المجلس القومي للرياضة الجماهيرية) وهو كيان لا وجود له ولا يتبع لأية جهة وبالتالي لا يعرف شيئاً عن مصير المساحة التي خُصِّصت له.. كما خصّصت اللجنة المفوضة على إنشاء مجمع إسلامي بالجزء الجنوبي الشرقي بمساحة (4000م) باسم وزارة الشؤون الاجتماعية ولاية الخرطوم، وبالمُراجعة اتّضح أن هذه القطعة مُنحت لـ(جمعية أصحاب الميمنة ودار القرآن الكريم) وأثبتت المراجعة أنّ الجمعية غير مُسَجّلة في سجل المنظمات الطوعية.

وتمتد المساحات التي خُصِّصت لمؤسسات لا تتبع لأية جهة لتشمل القطعة رقم 230 بمساحة (35,000م) والتي صُدِّقت (لمصحف أفريقيا) بمكاتبات بين عبد الرحيم محمد حسين ووزير الشؤون الهندسية في ذلك الوقت شرف الدين بانقا، وتقرير المراجع لم يجد أية جهة يتبع لها مصحف أفريقيا، وكشفت الوزيرة في هذه النقطة أنّها تَحَصّلَت على مُستندات للعَديد من المكاتبات والخطابات بين عبد الرحيم محمد حسين وشرف الدين بانقا حول هذه القطعة وقامت بتسليمها مع بقية المُستندات للنيابة. 

جامعة أفريقيا 

التعدي على أراضي المدينة الرياضية شمل القطعة رقم 380 بمساحة (85,000م) وخُصِّصت لجامعة أفريقيا، وأشارت الوزيرة إلى أنها تحصّلت على مستندات لمخاطبات ومكاتبات بشأن تلك القطعة بين وزير التخطيط الاجتماعي في ذلك الوقت علي عثمان محمد طه ووزير الدولة بوزارة التخطيط الاجتماعي يوسف عبد الفتاح وشرف الدين بانقا وزير الشؤون الهندسية، كما تحصّلت على خطاب من كبشور كوكو الذي كان يحتل أيضاً منصب وزير دولة بوزارة التخطيط الاجتماعي يوصي فيه بعدم التصرُّف في هذه المساحة وعدم منحها لجامعة أفريقيا، غير أنّ خطابه تَمّ تجاهله وتم التصرُّف في المساحة وتخصيصها للجامعة، وأثبت تقرير المراجع العام لاحقاً أنّ الجامعة لم تكتفِ بالمساحة التي خصّصت لها (85,000م)، بل تجاوزتها وتَعَدّت على مساحة أكبر من أراضي المدينة الرياضية.

(73%) 

التقارير والمُستندات التي تُوضِّح التعديات التي تمّت على أراضي المدينة الرياضية، كشفت أن التعدي وصل نسبة (73%) من أرض مدينة السودان الرياضية، حيث تم التعدي على (1,082,000) (مليون واثنين وثمانين ألف متر مربع) من إجمالي مساحة المدينة الرياضية المُقدّرة بـ(1,488,000 متر مربع)، حيث لم يَتبقَ من مساحة المدينة الرياضية سوى (406,000) وهي مساحة لا تتجاوز (27%) فقط من مساحتها الأصلية.

مُخالفات بالجملة

بحسب تأكيدات وزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي خلال المؤتمر الصحفي، فإنّ المُخالفات التي تمّت في أمر المدينة الرياضية تشمل مُخالفات دستورية لأنّ دستور السودان يحظر التصرُّف في الأراضي القومية، إلى جانب مخالفات جنائية ومخالفات لقانون الأراضي، ومُخالفات لقرارات صادرة من رئيس النظام البائد نفسه الذي أصدر قراراً في العام 2003 بحظر التصرُّف في الأراضي والعقارات الحكومية ومُخالفات لقرار صادر من وزير العدل في العام 2004 بحظر التصرف في بعض المُربّعات لحين حسم النزاع القائم حولها بين وزارة الشباب والرياضة ومصلحة الأراضي وهي كلها قوانين وقرارات تمّ تكسيرها.. وتشمل المُخالفات، مُخالفات إدارية في توقيع العقود واختيار الجهات المنفذة بدون طرح عطاءات، إلى جانب المُخالفات الهندسية والمالية.

السجن المُؤبّد

أوضح الأستاذ المحامي والرياضي المطبوع خالد سيد أحمد أن الأحكام التي يمكن أن تصدر بحق المتهمين في ملف المدينة الرياضية يمكن أن تصل للسجن المُؤبّد أو الإعدام حال تم توجيه تُهم له بالمادة (177) الفقرة (2) المُتعلِّقة بخيانة الأمانة، خُصُوصاً وأنّ المال المُعتدى عليه مال عام وكذلك الأراضي التي تم التعدي عليها، وكشف سيد أحمد أن النيابة يمكن أن تُوجِّه الاتّهام لعدد كبير من المتهمين بعد دراسة ملف المدينة الرياضية ومراجعة المستندات وأثناء سير التحري، وبعد أن تقوم بتفصيل التُّهم بحسب نوعية مُخالفة كل فردٍ، حيث يمكن فتح بلاغات بمواد اختلاس أموال أو خيانة أمانة أو الثراء الحرام والمشبوه أو الإهمال الفاحش واستغلال النفوذ وغيرها من المُخالفات التي يُمكن أن تتوصّل لها النيابة من خلال التحري.. وبالعودة للعقوبات، فإنّ الأحكام تصدر بطبيعة الحال بحسب حجم الجُرم الذي ارتكبه كل متهم وبالتالي يمكن أن تأتي مُتفاوتةً بحسب طبيعة الاتهام.

إزالة واستعادة

وبشأن الأراضي التي تم التعدي عليها وتحويلها لقطع سكنية أو مقارٍ لجهاتٍ ومُؤسّسَات أخرى، أشار خالد سيد أحمد إلى أن المحكمة وحال ثبت لها أنّ تلك الأراضي مملوكة لوزارة الشباب والرياضة وثبت أنه تم التعدي عليها، فيمكن أن يصدر قرارٌ بإزالة كل المنشآت التي تمت فيها وتسليم الأرض للجهة المالكة لها وهي (وزارة الشباب والرياضة) إلا حال حُدوث تسوية بين المالك والمستفيدين من تلك الأراضي بحيث يتم تعويض المالك مالياً، لكن مع ملاحظة أن التسوية لا تجوز في حق وممتلكات الدولة إلا حال تمّت بشكل استثنائي مُراعاةً لمصلحة عامة أو جبر لضرر أكبر يمكن أن يحدث حال تمّت الإزالة والأمر وقتها سيعتمد على موقف المالك الذي تُحدِّده المحكمة.

محاكم خاصة

أشار المحامي خالد سيد أحمد إلى أن الزمن الذي يمكن أن تستغرقه القضية في ساحات القضاء يعتمد على سُرعة إكمال التحريات وتوجيه التهم وتحديد المتهمين وتحويل الملف للقضاء ومن ثَمّ طبيعة المحاكم التي سيتم التقاضي فيها، حيث يجوز لرئيس القضاء في القضايا المهمة والكبيرة والمتعلقة بالمال العام أن يُشَكِّل لها محاكم خاصة حسب طبيعة القضية ويختار لها قضاة أكفاء، وميزة المحاكم الخاصة أنّها تُساعد على سير مراحل التقاضي بسرعة عبر عقد جلسة يومياً أو ثلاث أو أربع جلسات أسبوعية بحسب أمر التأسيس الصادر من رئيس القضاء، وحال تم تحويل القضية إلى المحاكم العادية فيمكن أن تستغرق وقتاً طويلاً بسبب تباعُد فترات الجلسات بالنظر للضغط على المحاكم العادية.

إيقاف ومراجعة العمل

وصف المحامي خالد سيد أحمد، خطوة إيقاف العمل في المدينة الرياضية بعد البلاغ الذي تم تقديمه في النيابة بالطبيعية، وقال: عندما يتم فتح بلاغات بهذه الشاكلة فإنّ النيابة تلقائياً تأمر بإيقاف العمل مع تشكيل لجان فنية وهندسية لتقييم العمل وتقديم تقارير تكون بمثابة بيِّنة فيما بعد، حيث يتم استصحابها في أعمال التحري، وتلك التقارير تُحدِّد الحالة الراهنة للمباني الموجودة وإن كان صالحة بأكلمها أو صالحة جُزئياً وتحتاج لمُعالجاتٍ جُزئيةٍ أو كانت غير صالحة كلياً وينبغي بإزالتها ويتم ذلك العمل بعد مُراجعة كل العُقُود والاتّفاقات والمواصفات القياسية المُتّفق عليها.

تعويض كبير

أشار القانوني والرياضي خالد سيد أحمد إلى أن من تُوجّه لهم التُّهم تتم مُحاكمتهم أولاً على المُخالفات الجنائية، لكن القانون الجنائي نفسه يُشير إلى أنه حال تَرَتّب على تلك المخالفات أضرارٌ ماديةٌ، فيجوز للشاكي طلب تعويض بحجم الضرر الذي تَعرّض له لأنّ المحاكم الجنائية لديها سلطات مدينة بنص المادة (204)، وحال أثبتت وزارة الشباب والرياضة (الشاكي) أنّها تَعرّضت لضررٍ بالغ مادي ومعنوي من المُخالفات التي تمّت وتسببت في إضاعة الكثير من المَكاسب الرياضية والشبابية عليها، عطفاً على التعدي على أراضي المدينة الرياضية والمُخالفات التي صاحبت إنشاءها وعدم اكتمالها فيجوز لها تقدير تلك الأضرار المادية والأدبية والنفسية وطلب تعويض عليها يمكن أن يصل لملايين الدولارات.

Exit mobile version