انهيار الجنيه واحتراق الأسعار… اقتصاد الحرب يطحن السودانيين
علاء خيراوي
بينما ينشغل عبد الفتاح البرهان وسلطة كامل إدريس بلقاءاتٍ ولجانٍ وحواراتٍ لا تنتهي، يجري في الشارع السوداني نوعٌ آخر من السياسة، أكثر صدقاً وأشد قسوة؛ الجنيه يحتضر، والأسعار تسحق الناس، والكهرباء تختفي بالساعات، والمياه تتحول إلى سلعة باهظة، والمواطن يراقب دخله يتبخر أمام عينيه.
الدولار الذي كان يدور حول ٦٠٠ جنيه قبيل حرب أبريل ٢٠٢٣ تجاوز في الأسبوع الأول من سبتمبر ٧ آلاف جنيه ولامس في بعض التعاملات ٧٬٣٠٠ جنيه، بما يعني أن الجنيه فقد نحو ٩٢٪ من قيمته أمام الدولار مقارنة بعشية الحرب. ومع ذلك، لا تزال عصابة بورتسودان تتصرف كأن الأزمة الحقيقية هي نقص الاجتماعات، وكأن السودانيين يحتاجون إلى مزيد من اللجان لا إلى دولة توقف هذا الانهيار.
والانهيار ليس رقماً في سوق العملات، بل جوعٌ يمشي على قدمين. في ود مدني ارتفع جوال الدقيق وزن ٢٥ كيلوغراماً من نحو ٧٢ ألفاً إلى ٩٥ ألف جنيه خلال فترة وجيزة، وبلغ جوال السكر وزن ٥٠ كيلو في بعض الأسواق ما بين ٢٨٠ و٣٢٠ ألف جنيه، فيما وصل كيلو السكر في الخرطوم إلى نحو ٦٬٥٠٠–٧٬٠٠٠ جنيه، ولتر الزيت إلى قرابة ١٧ ألفاً، وكيلو اللبن البودرة إلى نحو ٤٥ ألف جنيه، ووصلت الحال في بعض المخابز إلى رغيفين بألف جنيه. هذه ليست “تحديات اقتصادية” ولا “آثار حرب” يمكن دفنها تحت لغة البيانات الحكومية؛ هذه عملية إفقار يومي للمواطن. والمثير للسخرية أن صحفيي السلطة وكتبة الحركة الإسلامية لا يرون من هذه الكارثة إلا ما تسمح به عدسة الكاميرا الرسمية؛ يطاردون اجتماعات البرهان، ويعدّون لقاءاته إنجازات، ويكتبون عن “الحوار؛ و”الاستقرار” و”المرحلة المقبلة”، بينما المواطن نفسه لم يعد يعرف إن كان راتبه سيشتري له طعام أسبوع أم يومين.
ثم يأتي الظلام ليكمل المشهد. فقد انخفض إنتاج الكهرباء من نحو ٤٬٤٠٠ ميغاواط إلى قرابة ١٬١٠٠ ميغاواط، مع انقطاعات تصل في بعض المناطق إلى ١٦ ساعة يومياً، فيما قُدرت أضرار قطاع الكهرباء بنحو ٣ مليارات دولار، وكانت الخرطوم وحدها تحتاج إلى إصلاح أو استبدال أكثر من ١٬١٠٠ محول كهربائي. ومع تعطل الكهرباء تعطلت المياه، حتى بلغ سعر برميل المياه في بعض مناطق جبل أولياء نحو ١٥ ألف جنيه. أي استقرار هذا الذي تتحدث عنه السلطة وبيوت الناس تغرق في الظلام، ومضخات المياه تتوقف، والطعام يفسد، والأسواق تعمل بنصف طاقتها؟ الأكثر فجاجة أن القاعات التي تُعقد فيها اجتماعات السلطة تظل مضاءة، والكاميرات تعمل، والمنصات جاهزة، بينما مواطنون في الأحياء ينتظرون عودة التيار كأن الكهرباء صارت منحة سياسية لا خدمة عامة.
والأرقام الإنسانية تفضح أكثر مما تقوله الخطب؛ فبحسب أحدث تحليل وطني شامل للأمن الغذائي، واجه نحو ١٩٫٥ مليون سوداني، أي قرابة ٤١٪ من السكان، انعداماً حاداً للأمن الغذائي خلال الفترة من فبراير إلى مايو ٢٠٢٦، بينهم أكثر من ٥ ملايين في مرحلة الطوارئ، مع استمرار المخاوف من تدهور الأوضاع لاحقاً، أي قرابة ٤١٪ من السكان، يعانون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وأكثر من ٥ ملايين منهم في مرحلة الطوارئ، بينما يحتاج نحو ٢٧٫١ مليون شخص إلى مساعدات مرتبطة بالمياه والصرف الصحي والنظافة، وقد بلغ التضخم السنوي في يونيو نحو ٥١٫٢٨٪. وحتى البرهان نفسه اضطر إلى الاعتراف بأنه غير راضٍ عن أداء كامل إدريس وأن الشعب يستحق حكومة “تشعر بهمومه وتهتم بمعاشه”، فيما أقر كامل إدريس بأن تدهور القوة الشرائية أصبح بنداً ثابتاً في اجتماعات مجلس الوزراء. فإذا كان رأس السلطة يشكو من حكومته، ورئيس الحكومة يقر بتدهور معيشة الناس، فمن أين يأتي صحفيو السلطة بكل هذه الثقة وهم يكتبون كل صباح وكأن السودان ينهض؟ إن أخطر ما يفعله إعلام السلطة اليوم ليس الكذب وحده، بل تطبيع المأساة؛ تحويل الانهيار إلى خبر عابر، والجوع إلى تفصيل هامشي، والظلام إلى ظرف مؤقت، ثم تقديم صورة البرهان في مقدمة المشهد كأن بقاءه هو الخبر الأهم من بقاء الناس أنفسهم.
ومع كل ذلك، تواصل عصابة بورتسودان الاحتفال بالكلام؛ اجتماعات، وفود، لجان، صور تذكارية، تصريحات عن الحوار والانتخابات والمستقبل، وكأن السوداني الذي يبحث عن رغيف خبز أو جركانة ماء أو ساعة كهرباء لديه رفاهية متابعة هذا المسرح العبثي. وقد رفضت قوى مدنية ومهنية هذا المسار واعتبرت أن أي عملية سياسية تُدار تحت سلطة أحد أطراف الحرب تفتقر إلى الحياد والمصداقية، فيما ظل السؤال الذي لا تريد بورتسودان ولا إعلامها سماعه هو؛ كيف يعيش الناس اليوم؟ لقد أصبح انهيار الجنيه أقوى من بيانات الحكومة، وارتفاع الأسعار أصدق من تصريحات وزرائها، والظلام أكثر بلاغة من كل خطب البرهان. ولهذا لم يعد المطلوب من القوى المدنية والمهنية ولجان المقاومة والمجتمع الحي أن تكتفي بوصف الكارثة أو انتظار مبادرات السلطة، بل أن تستعيد زمام المبادرة من الشارع السلمي نفسه؛ بتوحيد مطالب الناس حول السلام والخبز والخدمات والحكم المدني، وتنظيم الضغط الجماهيري السلمي، وفضح أكاذيب السلطة بالأرقام والحقائق، وبناء أوسع جبهة مدنية تستطيع أن تقول بوضوح إن السودان ليس مزرعة للعسكر ولا غنيمة للحركة الإسلامية.
فالبلاد لا تحتاج إلى مزيد من الكلام، بل إلى قوة مدنية منظمة تعيد السياسة إلى أصحابها الحقيقيين؛ الشعب السوداني. والشعوب قد تحتمل الظلام زمناً، والجوع زمناً، والكذب زمناً؛ لكنها حين تدرك أن من يحكمها لا يشعر بوجعها، فإن آخر ما يسقط ليس الجنيه… بل الخوف نفسه، وعندها تبدأ استعادة الوطن.

