في حضيض التمسّكِ بالقشّة:
هل يتغلّبُ البُرهانُ على سلفه عمر البشير؟
عبد الحفيظ مريود
فى مساء يوم 28 مارس 2019م، ضمّتْ منظومة الصّناعات الدّفاعيّة ببحري إجتماعاً عاصفاً لمنسوبي الحركة الإسلاميّة فى الجيش بولاية الخرطوم. وذلك قبل نحوِ أسبوعٍ واحدٍ من وصول الثوّار المتظاهرين إلى ساحة اعتصام القيادة. ضمَّ الاجتماعُ ما يزيدُ عن المائتين وألف (1200) ضابطاً وضابط صفّ. كانت أجندةُ الاجتماع – ضمن تحديّاتٍ أخرى – النّظر فى ترشيح البشير رئيساً في الانتخابات القادمة. وحين جاءتْ فقرةُ البشير للحديث تحدّث عن “أعداء السُّودان”. وهو حديثٌ يحلو للإسلاميين لوكه والتكرار منه. يجعلونه تُكأةً لتمرير البنسلين في أجساد المستعمين. وفُرصةً للهرب من مواجهة معضلاتٍ ماثلة. كرّر إنَّ دولةً جارةً يمكنُ اعتبارُها العدوّ الأوّل للسُّودان. تقدّمَ قليلاً وقال بشفافية “ندسّها ليه؟ مصر هى العدوّ الأوّل للسُّودان”. وعلى غير العادة، سَرَتْ همهماتٌ هنا وهناك من بعض الضبّاط. كما لو أنَّ الحديث لم يعجبهم.
لكنَّ البشير واصل تركيزه على مصر.
شايف كيف؟
لم يمضِ طويل وقتٍ حتّى كان البشير أثراً بعدَ عين. يتّهم الإسلاميّون صلاح قوش بالضّلوع والتخطيط للإطاحةِ بهم، ومعه آخرون. حقّقتْ سناء حمد مع بعضهم، لاحقاً. لم تخفِ مصرُ فرحتَها بذهاب البشير، كما أنّها لم تُرحّب، لم تتفاعل – إيجاباً – مع ما يطرحه الوضعُ القادم من شراكةٍ ستُعلي من شأنِ حكومةٍ مدنيّة لا ترغبُ فى أيّ من نّماذج مصر في الحكم. لكنَّ البُرهان – الواصل حديثاً إلى رئاسة المجلس العسكريّ الإنتقاليّ – لن يتركَ مصر لتقلق. فقد سارعَ إلى زيارتها في 25 مايو، بعد شهرٍ وأسبوعين من إعلانه خلفاً للفريق أوّل عوض إبنعوف، حتّى قبل أنْ يشرعَ فى ترتيب بيته الدّاخليّ، أو أنْ يبدأ حواراً واضحاً مع القوى المدنيّة. فلماذا كانتْ وجهته مصر؟
يمكنُ إرجاء النّظر فى الإجابة على السؤال، بالطّبع، حتّى يتكاثف المشهد السينمائيّ.
فى أغسطس جرى الاحتفالُ بتوقيع الوثيقة فى قاعة الصّداقة بالخرطوم. أرسلتِ الحكومةُ المصريّة رئيس وزرائها، د. مصطفى مدبولي ليشارك. وفيما كانتِ القاعةُ تضجُّ بالتّصفيق والهتافات لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، حين جاءتْ كلمتُه، لقىِ رئيس الوزراء المصري، حين جاء دوره، فتوراً قاتلاً ومخجلاً. علّل بعضّهم ذلك لتدخُّل آبي أحمد لتقريب وجهات النّظر، وحلّ الخلافات الحادّة، بين المكوّن العسكريّ والمدنيّ أثناء المفاوضات، مما أدّى إلى تعليقها، فيما لم تُبدِ مصرُ اهتماماً، حتى لكأنّها تقولُ: لتدُمْ.
فى طريقه لتلبية دعوة الرئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، توقّفَ رئيسُ الوزراء د. عبد الله حمدوك فى مصر، فى زيارةٍ عاجلة، فى سبتمبر 2019م. لكنَّ الواضحَ أنَّ ملفّات الحكومة المدنيّة وانشغالاتها لم تكنْ ذات صلةٍ وثيقةٍ بمصر. وذلك لأنّها منظور حكومة حمدوك كان أوسعَ من المنظور الأمنيّ الذى شغل البشير، وظلَّ يشغلُ البُرهان. وبالتّالي ستكونُ مصر محطّةً مهملة فى ترتيب أولويّات الحكومة المدنيّة.
شايف كيف؟
ستسارعُ مصرُ – وقد حلَّ صلاح قوش ضيفاً عليها، بعدَ الثورة – للترتيب لكلّ ما من شأنه أنْ ينهي وجود الحكومة المدنيّة. ستستغل السّراب الذى يلمعُ قُدّام البُرهان “فى متاهة الشّوق”، كما يقولُ الطيّب صالح، ليصبحَ رئيساً للبلاد، ديكتاتوراً، كما فعل السيسي بالدكتور محمّد مرسي. إذنْ مصر هى القِبلةُ الوحيدة للبُرهان. وذلك لأنّها المدرّس، ههنا. وهذه هى أرضيّة التقاربات الكبيرة بين أفورقي – السيسي – البرهان.
وحين تمضي خياراتُ البرهان، والإسلاميّين نحوَ الحرب، ستكونُ مصر منخرطةً فيها، لا سيّما بعد الضمانات الكبيرة، والتحوّلات التى تعهّد بها “الشّيخ علي كرتي”، والتى كان يبشّرُ بها محمّد محمّد خير، الذى أصبح مستشاراً لرئيس الوزراء، كامل إدريس، ولم يعتزلِ السياسة – كما وعدَ – حينَ لم تصنّف الولاياتُ المتّحدة الأمريكيّة الدّعم السّريع منظّمةً إرهابيّة، وفقاً لنبوءته.
ذلك أنّه حين اقتحمتْ قوّةٌ من الدّعم السّريع مطار مرويّ، وقامتْ بتدمير 9 طائراتٍ مصريّة، وأسرتْ الطّيّارين المصريين وجنودهم، فى أبريل 2023م، قبل بدء الحرب فى المدينة الرّياضيّة من قِبَل كتائب الإسلاميين، كانتِ الطّائراتُ متأهبةً لشنّ غاراتٍ واسعةً، فى ساعة الصّفر، بمشاركة أخريات تنطلقُ قاعدة أبوسمبل، للقضاء على جميع تمركزات الدّعم السّريع. لكنَّ مباغتته لها فى مطار مرويّ أفشلتِ المخطط. فهى ليستْ (داعمةً لمؤسّسات الدّولة فى السُّودان)، كما تحبُّ أنْ تتلاعب بالكلمات، بل هى داعمةٌ لمنْ يشغل هذه المؤسّسات ويعملُ للحفاظ على مصالحها فى السُّودان. ومَنْ سيكون الأجدرَ بذلك من جنرالٍ يحلُمُ بالرئاسة، ومجموعة من الموتورين، فقدوا السّلطة بقرار ثورةٍ شعبيّة، سلميةٍ، ضدَّ الحراميّة؟
شايف كيف؟
عدّها البشيرُ – فى حديثه بالتصنيع الحربيّ، قُبيل سقوطه – العدوّ الأوّل، فلماذا تحوّلَ ضبّاطُه من الإسلاميين، وحزبُه للتّحالف مع العدوّ، إذن؟
سنحاولُ مقاربة ذلك فى المقال الحلقة القادمة.

