Site icon صحيفة الصيحة

السوداني بين الأمس واليوم؟!

السوداني بين الأمس واليوم؟!

الجميل الفاضل

ثمة سؤالٌ يطاردني كلما طالعت وجوه هذه الحـ رب، سؤال كأنه طائرٌ جريح يحلق فوق سماء السودان منذ اندلاع هذه الفاجعة: أين ذهب ذلك السوداني الذي كنا نعرفه؟ أين الرجل الذي كان يستحي أن يجرح خصمه، والمرأة التي كانت تخبئ عيوب جارتها كما تخبئ ابنتها في قلبها، والقرية التي كانت تختلف نهاراً ثم تجتمع مساءً على “ضرا” واحد، لا ينتصر فيه إلا الود؟

لقد ظل الوجدان السوداني، لعقودٍ طويلة سبقت عام 1989، يقدّم الشخصية السودانية بوصفها ابنةً أصيلةً، لفطرة الله التي فطر الناس عليها، تلك الفطرة التي كتب عنها الأدباء، واحتفى بها الشعراء، وجعلها الراحل الطيب صالح واحدةً من أسرار هذا البلد الذي يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في باطنه. لم يكن السوداني يومها مثالياً تماماً، لكنه كان يعرف علي الأقل حدود الخصومة، ويعرف أن الإنسان يظل إنساناً حتى وهو يختلف مع غيره.

ثم جاءت الحـ رب، فإذا بنا أمام مشاهد لم تكن تخطر حتى في الكوابيس؛ تشفٍّ يتجاوز الموت، وخطابات كـ راهية تستبيح الأرواح، وانقسامات اثنية وجهوية، وسحلٌ للكرامة قبل الأجساد، حتى خُيّل لكثيرين أننا أمام شعبين لا شعبٍ واحد، أو أمام خلقٍ جديد لا يمت بصلةٍ إلى ذلك الذي عرفناه.

غير أن الحقيقة –على مرارتها– أعمق من هذا الاستنتاج السريع.

فالإنسان لا يتبدل بين ليلةٍ وضحاها، والشعوب لا تستيقظ صباحاً وقد تبدلت جيناتها.

ما جرى لم يكن انقلاباً في الخِلقة، وإنما كان انهياراً للطبقات التي كانت تحرس هذه الخِلقة، عندما انكشفت النفس البشرية أمام رياح التاريخ العاتية.

لقد كانت هذه الحـ رب آخر حلقات الانهيار، لا أولها، وكانت هي النتيجة، لا مقدماتها.

فأول ما أصاب السودان لم يكن في أرضه، إنما كان في روحه.

إذ حين رفع الاسلاميون شعار «إعادة صياغة الإنسان السوداني»، لم يكن ذلك الأمر مجرد مشروعٍ سياسي، لكنه كان محاولةً لإعادة تشكيل الوعي نفسه؛ تفكيكاً بطيئاً لذاكرة المجتمع، واستبدالاً للولاءات الطبيعية بولاءاتٍ مصطنعة، رسم خارطتها علي عثمان محمد طه حين كان وزيرا للتخطيط الاجتماعي سنة 1993، حيث لم يعد الانتماء للوطن هو السقف الجامع، حين غدت القبيلة والجهة والحزب والأيديولوجيا جزرًا متنافرة، يتربص بعضها ببعض.

فقد كانت الطرق الصوفية، والإدارات الأهلية، والعادات الاجتماعية، وآداب المجالس، ونقابات المهن، والجامعات، كلها تؤدي وظيفةً واحدة، وإن اختلفت أسماؤها: كانت تحرس الضمير الجمعي.

لكن حين هُدمت هذه الأسوار تباعاً، تُرك الإنسان عارياً أمام نزواته وغرائزه.

ولمّا ذابت الدولة لاحقاً، لم يجد المجتمع مؤسسةً أخلاقيةً أو قانونيةً تحول دونه والسقوط، فعاد كثيرون إلى المربعات الأولى؛ لا لأنهم خُلقوا وحوشاً، لكن لأن القيم النبيلة التي كانت تكبح الوحوش داخلهم، قد أُنهكت قبل سنواتٍ طويلة.

ثم جاءت طاحونة الإفقار، فالشهامة والمروءة ليست ترفاً منفصلاً عن شروط الحياة، كما أن الأخلاق لا تزدهر في الفراغ.

لقد كانت الطبقة الوسطى، في السودان القديم، أشبه بجهاز المناعة الذي يحفظ توازن المجتمع؛ مدارس وجامعات محترمة، وخدمة مدنية راسخة، وقضاء غير مسيس، وبيوت تعرف معنى الكفاية، وأحلامٌ قابلة للتحقق.

لكن عقوداً من الافقار الممنهج، ومن تآكل التعليم، وانهيار الخدمات، ومن هجرة العقول أو تهجيرها، دفعت المجتمع برمته إلى حافة الهاوية.

إذ حين يتحول همُّ الإنسان من صناعة المستقبل إلى مجرد النجاة من يومه، تضيق مساحة الرحمة، وتتراجع الفضائل أمام قسوة الحياة.

فالحـ رب لم تصنع هذا الوحش، إنما هي فقط قد أطلقته من عقاله، بعد أن ضعف الحارس الذي كان يقيده.

ثم جاءت التقنية لتضيف بعداً أكثر قسوة.

فالسوداني الذي كان يعرف خصمه بالاسم، ويشاركه الأفراح والأتراح، صار يتلقى صورته عبر شاشاتٍ لا تعرف إلا التضخيم والتهويل والمبالغة.

تحولت وسائل التواصل إلى مصانع ضخمة لإنتاج الكـ راهية، وأصبحت الأكاذيب أسرع من الحقيقة، وأيسر انتشاراً منها.

وفي غرف الصدى المغلقة، لم يعد المختلف مواطناً أخطأ الطريق، لكنه صار عدواً وجودياً، ينبغي اجتثاثه لا محاورته.

وهكذا، قبل أن تبدأ المدافع عملها، كانت الكلمات قد أنجزت مهمتها.

فالقتـ ـل يبدأ باللسان، قبل أن يبدأ بالسنان.

ومع ذلك، أرفض أن أصدق أن هذه الوحشية الماثلة هي الحقيقة النهائية للسودانيين.

وأرفض، في المقابل، أن أتعامل مع الماضي وكأنه فردوسٌ بلا خطيئة.

فما نسميه اليوم انحطاطاً أخلاقياً ليس إلا أعراض صدمةٍ حضاريةٍ طويلة، تراكمت فيها الهزائم، وغابت فيها العدالة، وتآكلت فيها الدولة، لتعتُقل الفطرة خلف قضبان الخوف والفقر والكراهية.

لقد كانت «الشخصية السودانية» بخصائصها الفريدة يوما ما حقيقة، رغم إنها كانت تعتمد على نقاء الوجدان أكثر من اعتمادها على صلابة المؤسسات.

ولهذا، حين هبّت العاصفة، انكسرت الأغصان سريعاً.

بيد أن الفطرة لا تموت، إنها قد تُرهق، وتُشوَّه، وتُحاصر، لكنها لا تفقد طريقها للعودة.

ولعل أعظم ما تمنحنا إياه هذه المحنة أنها قد كشفت المرض كاملاً، فلم يعد في الإمكان دفنه تحت زخارف الشعارات، أو تجميله بخطب المناسبات.

ولذلك فإن بعث السودان لن يبدأ من إعادة إعمار الحجر، وإنما من إعادة إعمار البشر؛ من مدرسةٍ تُعلِّم الناس الرحمة قبل المعلومات، ومن دولةٍ تُساوي بين أبنائها، ومن قانونٍ يحمي الضعيف قبل القوي، ومن خطابٍ يعيد إلى الخصومة أدبها، وإلى السياسة أخلاقها، وإلى المجتمع ثقته بنفسه.

فالأمم لا تُولد مرتين، لكنها قد تستيقظ مرتين.

فالسودان، الذي خبأ في أعماقه كل هذا النور عبر القرون، ليس مستحيلاً عليه أن يسترد فطرته الأولى، لا بوصفها حنيناً إلى زمنٍ مضى، بل بوصفها وعياً جديداً يعبر بالناس هذه المحنة، ويحوّل الجراح إلى حكمة، والرماد إلى بذور، والليل الطويل إلى صبحٍ يعرف، أكثر من أي وقتٍ مضى، كيف يتنفس.

Exit mobile version