من نيروبي إلى السودان.. لماذا يجب أن تبدأ معركة إعادة الإعمار من التكنولوجيا وريادة الأعمال؟
م. عمار سعيد
في خضم انشغال السودانيين بالحرب والسياسة وإعادة رسم الخرائط العسكرية، ثمة معركة أخرى لا تقل أهمية، لكنها لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام؛ إنها معركة بناء الاقتصاد الجديد. فالدول لا تنهض بعد الحروب بالبنادق وحدها، وإنما بالأفكار، والابتكار، وريادة الأعمال، والاستثمار في الإنسان.
قبل يومين، جمعني لقاء ثري في Capital Club East Africa بالعاصمة الكينية نيروبي مع السيد Harry Hare، رئيس مبادرة Demo Africa، إحدى أبرز المنصات الإفريقية الداعمة للشركات الناشئة، والتي أسهمت على مدى سنوات في ربط رواد الأعمال بالمستثمرين، وتحويل مئات الأفكار إلى شركات قادرة على المنافسة داخل القارة وخارجها.
لم يكن الحديث عن شركات ناشئة فحسب، بل كان حديثًا عن فلسفة تنموية كاملة؛ عن كيف استطاعت كينيا أن تحول الابتكار إلى صناعة، والشباب إلى منتجين، والتكنولوجيا إلى رافعة اقتصادية، وأن تجعل من الشركات الصغيرة والمتوسطة أحد أهم محركات النمو وخلق فرص العمل.
لقد أدركت كينيا مبكرًا أن المستقبل لن يُبنى بالاعتماد على الموارد الطبيعية وحدها، بل بالاستثمار في العقول. ولذلك لم تكتفِ بإنشاء حاضنات ومسرعات أعمال، وإنما عملت على بناء منظومة متكاملة تضم الجامعات، والقطاع الخاص، والمستثمرين، وشركات الاتصالات، والمؤسسات المالية، والجهات التنظيمية، بحيث تتحول الفكرة الواعدة إلى مشروع، ثم إلى شركة، ثم إلى قصة نجاح.
واليوم أصبحت نيروبي واحدة من أهم مراكز الابتكار في إفريقيا، ليس لأن لديها النفط أو الذهب، وإنما لأنها امتلكت رؤية واضحة، وبيئة تشريعية مرنة، وبنية رقمية متطورة، ونظامًا ماليًا احتضن الابتكار بدلًا من أن يعيقه.
هذه التجربة تستحق أن تُقرأ بعناية في السودان، خاصة في هذه المرحلة المفصلية التي تتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد معًا.
إن إنشاء وزارة الاتصالات والتحول الرقمي ووزارة الاستثمار، إلى جانب الدور المنتظر للبنك المركزي في مناطق حكومة السلام الانتقالية، ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد توسع في الهيكل الحكومي، بل باعتباره بداية مشروع وطني لإعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة.
فإعادة الإعمار ليست فقط إعادة تشييد ما دمرته الحرب من طرق وجسور ومبانٍ، بل هي أيضًا إعادة بناء طريقة إنتاج الثروة، وإدارة الخدمات، وتوظيف التكنولوجيا لخدمة الإنسان والتنمية.
إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون أحد أكبر الاقتصادات الزراعية والرعوية في إفريقيا، لكنه لا يزال يصدر معظم موارده خامًا، بينما تذهب القيمة المضافة وفرص العمل إلى دول أخرى.
من هنا، فإن حاضنات الأعمال يجب ألا تقتصر على تطبيقات الهواتف أو شركات البرمجيات، بل ينبغي أن تتجه إلى القطاعات التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني.
نحن بحاجة إلى حاضنات متخصصة في الزراعة الذكية، وأخرى لتطوير قطاع الصمغ العربي، وأخرى لسلاسل القيمة في الثروة الحيوانية، وأخرى للصناعات الغذائية، بحيث يتحول المنتج السوداني من مادة خام إلى منتج عالي القيمة قادر على المنافسة في الأسواق العالمية.
وتخيلوا الأثر عندما يستطيع مزارع الصمغ العربي الحصول على التمويل عبر هاتفه، وبيع إنتاجه من خلال منصة رقمية، والحصول على التأمين الزراعي، وتتبع الأسعار العالمية، واستلام مستحقاته إلكترونيًا، دون وسطاء يلتهمون الجزء الأكبر من دخله.
وتخيلوا كذلك مربي الماشية وهو يستخدم تطبيقًا لإدارة القطيع، والحصول على خدمات الإرشاد البيطري، وربط إنتاجه بالمسالخ والأسواق والمصدرين، مع إمكانية الحصول على تمويل وتأمين رقميين.
هذه ليست أحلامًا بعيدة، بل تطبيقات قائمة في عدد من الدول الإفريقية، ويمكن تكييفها لتلائم الواقع السوداني إذا توفرت الإرادة السياسية، والبيئة التشريعية، والشراكة مع القطاع الخاص.
ولن يكتمل هذا التحول من دون بناء منظومة متطورة للتكنولوجيا المالية (FinTech)، تشمل المحافظ الإلكترونية، وأنظمة الدفع الوطنية، والتمويل الأصغر الرقمي، والبنوك الرقمية، والخدمات الحكومية الإلكترونية.
فالاقتصاد الذي يعتمد على النقد وحده اقتصاد بطيء، بينما الاقتصاد الرقمي يختصر الزمن، ويقلل التكلفة، ويزيد الشفافية، ويوسع نطاق الشمول المالي، ويفتح أبوابًا جديدة للاستثمار وريادة الأعمال.
إن وزارة الاتصالات والتحول الرقمي مطالبة اليوم بأن تقود مشروعًا وطنيًا لا يقتصر على تحسين خدمات الاتصالات، بل يمتد إلى بناء البنية الرقمية للدولة، وإطلاق استراتيجية للتحول الرقمي، وإنشاء مراكز بيانات وطنية، وتطوير الهوية الرقمية، وربط المؤسسات الحكومية، ودعم الشركات الناشئة، واحتضان الابتكار.
وفي المقابل، ينبغي أن تعمل وزارة الاستثمار على جذب رؤوس الأموال إلى قطاعات التكنولوجيا والابتكار، وتوفير الحوافز للمستثمرين، وبناء شراكات مع المؤسسات الإفريقية والدولية التي تمتلك خبرة عملية في هذا المجال.
إن اللقاء الذي جمعني بالسيد Harry Hare لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل كان فرصة للتأمل في تجربة إفريقية نجحت لأنها آمنت بشبابها، واستثمرت في المعرفة، وربطت التكنولوجيا بالتنمية، ولم تنتظر حلولًا تأتي من الخارج.
وأعتقد أن الوقت قد حان لفتح قنوات تعاون حقيقية مع المؤسسات الكينية والإفريقية الرائدة في مجال الابتكار وريادة الأعمال، ونقل الخبرات، وتبادل التجارب، وإطلاق برامج تدريبية مشتركة، وإنشاء حاضنات ومسرعات أعمال تستجيب لأولويات السودان، لا لنسخ تجارب الآخرين.
إن إعادة إعمار السودان لن تتحقق بالخرسانة وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان، وفي المعرفة، وفي الاقتصاد الرقمي. والدول التي تسبقنا اليوم لم تصل إلى ما هي عليه لأنها امتلكت موارد أكثر، وإنما لأنها أحسنت إدارة تلك الموارد، وربطت التعليم بالابتكار، والتكنولوجيا بالإنتاج، والتمويل بالتنمية.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به إن المستقبل لا يُمنح للدول التي تنتظر، بل للدول التي تبادر، وتبتكر، وتؤمن بأن رأس المال الحقيقي هو الإنسان، وأن التكنولوجيا ليست ترفًا، بل هي البنية التحتية الجديدة للاقتصاد والتنمية والسيادة الوطنية.

