Site icon صحيفة الصيحة

الأستاذ محمود محمد طه… حين كان السلام بصيرةً يسبق بها المفكرُ زمانه

الأستاذ محمود محمد طه… حين كان السلام بصيرةً يسبق بها المفكرُ زمانه

حسن عبد الرضي

ثمة أفكارٌ تولد في زمنها، فتنتهي بانتهاء زمنها، وثمة أفكارٌ أخرى تولد من رحم المستقبل، فتظلّ تمشي أمام التاريخ، وكلما تقادمت الأيام اقتربت الوقائع منها، حتى ليخيّل للمرء أن صاحبها لم يكن يقرأ عصره فحسب، وإنما كان يقرأ ما سيأتي بعد عصره.

ومن هذا الطراز النادر كان الأستاذ محمود محمد طه.

ففي وقتٍ كان الحديث عن الشرق الأوسط أسيرَ لغة الحرب، والهزيمة، والثأر، والشعارات، ورمي اسرائيل في البحر، واللاءات، كان الأستاذ محمود يذهب إلى المنطقة الأبعد والأعمق: منطقة العقل.

لم يكن ينظر إلى القضية باعتبارها معركةً عاطفيةً تُدار بالهتاف، وإنما باعتبارها أزمةً تاريخية وسياسية وحضارية تحتاج إلى شجاعة النظر في الحقائق كما هي، لا كما نشتهي أن تكون.

وفي أكتوبر من عام ١٩٦٧، بعد أشهر قليلة من هزيمة يونيو، صدر كتابه «مشكلة الشرق الأوسط»، وهو كتاب موثق تاريخيًا في مكتبة الفكرة الجمهورية http://www.alfikra.org⁠�  بوصفه من أعماله الصادرة في ذلك العام.

كان ذلك زمنًا عصيبًا؛ زمنًا كانت فيه العواطف الجارفة أقوى من صوت العقل، وكانت مجرد الدعوة إلى التفكير في السلام والتفاوض مع إسرائيل تبدو لكثيرين خروجًا على المألوف، بل على المقدس السياسي السائد.

ومع ذلك، وقف الأستاذ محمود في مواجهة التيار، لا ليبيع الوهم، ولا ليجامل المشاعر، وإنما ليقول للعرب، بوضوح المفكر وشجاعة صاحب الرؤية: إن الطريق إلى حل المشكلة لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقائق، ولا على الأمنيات، ولا على تكرار الشعارات.

لقد دعا الأستاذ محمود إلى السلام باعتباره استراتيجيةً واعية، وإلى التفاوض باعتباره وسيلةً لاستعادة زمام المبادرة، لا باعتباره استسلامًا أو تنازلًا مجانيًا.

وفي كتابه ناقش واقع الصراع، وحذّر من أن الإصرار على الرفض اللفظي، بينما الواقع السياسي يسير في اتجاه آخر، قد يؤدي إلى أن يفقد العرب أوراق القوة التي كان يمكن أن يستخدموها في التفاوض.

وتظهر في نصوص الكتاب قراءة مبكرة لمسار الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها، في وقت كان فيه هذا الطرح شديد الجرأة.

وهنا تكمن عظمة الأستاذ محمود.

فهو لم يكن ينظر إلى السلام باعتباره كلمةً جميلة تُقال في المؤتمرات، وإنما كان يراه مشروعًا للعقل والمسؤولية.

كان يدرك أن الحروب، مهما طال أمدها، لا يمكن أن تكون قدرًا أبديًا للشعوب، وأن السياسة في نهاية المطاف لا بد أن تعود إلى طاولة الحقيقة، وأن ما يرفضه الناس اليوم تحت ضغط الانفعال قد يصبح غدًا ضرورةً سياسيةً لا مفر منها.

ولذلك، حين نقرأ اليوم ما كتبه الأستاذ محمود في ستينيات القرن الماضي، نشعر أننا أمام عقلٍ كان يسبق زمانه بعشرات السنين.

لقد كان يرى الطريق قبل أن يراه الآخرون.

واليوم، وبعد عقود طويلة، ومع التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، ومع انتقال عدد من الدول العربية إلى علاقات رسمية مع إسرائيل، ومع حضور لغة التفاوض والاعتراف والتسويات في قلب المشهد الإقليمي، تبدو كثير من الأسئلة التي طرحها الأستاذ محمود وكأن التاريخ قد عاد ليضعها أمامنا من جديد.

وثبت ن كل تفاصيل الواقع الراهن قد جاءت مطابقة، وليس بالضرورة، أن تكون حرفيًا لما طرحه، وأن كل تطور سياسي معاصر يمثل السلام الذي كان ينشده؛ مما يعني، بصورة جلية، أن جوهر رؤيته القائمة على مواجهة الواقع بعقل، والانتقال من منطق الحرب الدائمة إلى منطق الحل السياسي، قد أصبح جزءًا أساسيًا من لغة المنطقة اليوم.

وهنا لا يسع المرء إلا أن يقف مدهوشًا أمام ذلك الرجل الذي كان يكتب في الستينيات، بينما كان كثيرون يكتفون بترديد شعارات عصرهم.

ما أعظم الفارق بين من يعيش داخل اللحظة، ومن يستطيع أن يرى ما وراء اللحظة!

كان الأستاذ محمود يرى أن المشكلة أكبر من مجرد وجود إسرائيل، وأن وراء الظاهر أسبابًا أعمق تتصل بواقع العرب والمسلمين، وبأزمتهم الفكرية والسياسية والحضارية.

ولذلك لم يكن كتابه مجرد حديث عن دولة أو حدود أو حرب، وإنما كان محاولةً لقراءة جذور الأزمة، ووضعها في سياقها التاريخي والسياسي، ثم البحث عن مخرج عملي منها.

وقد وصفت المصادر المرتبطة بتراثه الكتاب بأنه سعى إلى تشخيص جذور المشكلة وطرح حلول لها، في إطار من الصراحة والقوة في مواجهة الواقع.

وهذا هو الدرس الأعظم الذي تركه لنا الأستاذ محمود: أن الحقيقة لا تصبح باطلة لأن الناس لا يحبون سماعها، وأن الفكرة لا تصبح خاطئة لأنها سبقت زمانها، وأن صوت العقل قد يُحاصر اليوم، لكنه قد يعود غدًا ليجد التاريخ نفسه قد وقف إلى جانبه (التاريخ يعيد نفسه).

لقد كان الأستاذ محمود رجلًا شديد الإيمان بأن الإنسان لا يمكن أن يصنع مستقبله بالكذب على نفسه.

ولذلك واجه القضايا الكبرى مواجهةً مباشرة، بلا تزيين ولا تمويه.

وفي خاتمة كتابه «مشكلة الشرق الأوسط» عبّر عن غايته في أن يكون الكتاب علاجًا لداء العرب، وأن يقودهم إلى منازل السلام، مؤكدًا قيمة الصراحة ومواجهة المسؤولية.

واليوم، ونحن نعيد قراءة تلك الصفحات، لا نملك إلا أن نقول في حق الأستاذ محمود: كم كنت بعيد النظر! وكم كنت عظيم الشجاعة! وكم كنت أكبر من زمنك!

لقد كنت تتحدث إلى أناسٍ يعيشون في حاضرهم، بينما كنت ترى مستقبلهم.

كنت تخاطب أمةً مثقلةً بجراح الهزيمة، وتحاول أن تفتح أمامها نافذةً نحو العقل، وتقول لها إن التاريخ لا يُواجه بالصراخ، وإن الشعوب لا تُنقذها الأمنيات، وإن السلام الحقيقي لا يصنعه الضعف، كما أن الحرب الدائمة لا تصنع النصر.

واليوم، بعد كل هذه العقود، يبدو أن التاريخ نفسه قد أخذ على عاتقه أن يشرح للناس ما كان الأستاذ محمود يقوله لهم.

فكم من فكرةٍ رفضوها بالأمس، ثم عادوا إليها اليوم!

وكم من كلمةٍ اتهموا صاحبها بسببها، ثم أثبتت الأيام أن صاحبها كان أبعد نظرًا منهم!

وكم من حقيقةٍ حاربوها، ثم اضطروا بعد سنوات إلى التعامل معها باعتبارها أمرًا واقعًا!

إن قيمة الأستاذ محمود لا تكمن فقط في أنه قال رأيًا صادف مجريات التاريخ، وإنما في أنه امتلك منهجًا في التفكير: أن ينظر إلى الواقع بلا خوف، وأن يقرأ التاريخ بلا أوهام، وأن يضع العقل في خدمة الإنسان، وأن يبحث عن السلام من موقع الوعي والمسؤولية.

ولذلك، فإن الاحتفاء بالأستاذ محمود اليوم لا ينبغي أن يكون احتفاءً بشخصٍ فحسب، وإنما احتفاءٌ بمنهجٍ في التفكير؛ بمنهجٍ يعلّمنا أن نقرأ الواقع قبل أن نحكم عليه، وأن نواجه الحقيقة قبل أن نطلق الشعارات، وأن نبحث عن مخارج الأزمات بعقول مفتوحة لا بعواطف مغلقة.

لقد ترك لنا الأستاذ محمود إرثًا فكريًا ما زال يستفز الأسئلة، ويجبر القارئ على العودة إلى الكتب القديمة ليكتشف أنها، في كثير من الأحيان، كانت أكثر حداثةً من كثير من كتب الحاضر.

وهكذا يبقى كتاب «مشكلة الشرق الأوسط» شاهدًا على أن المفكر الحقيقي لا يعيش أسير اللحظة؛ إنه يرى أبعد منها، ويضع أسئلته في الطريق، ثم يترك للأيام مهمة الإجابة.

سلامٌ على روح الأستاذ محمود محمد طه.

سلامٌ على ذلك العقل الذي لم يخشَ أن يفكر حين كان التفكير جريمةً في نظر الكثيرين.

وسلامٌ على تلك الشجاعة التي اختارت أن تقول ما تراه حقًا، لا ما يرضي الجمهور.

لقد بثثت وعيًا أكبر من زمانك، وفتحت نوافذ في جدرانٍ كانت مغلقة، وعلّمتنا أن الفكر الحقيقي قد يُحارب في يومه، لكنه لا يموت؛ لأن الزمن، في نهاية المطاف، يميل إلى الأفكار التي تحمل في داخلها بذرة الحقيقة.

تعجز الكلمات حقًا عن وصف ما كان يبثه الأستاذ محمود من وعي، وما كان يحمله من حكمة، وما كان يراه من آفاقٍ لم يكن كثيرون قادرين على رؤيتها.

ولعل أعظم ما في ميراثه أنه لم يكن يريد منا أن نصدقه فقط؛ بل كان يريدنا أن نتعلم كيف نفكر.

وما أعظم تلك الابتسامة الخالدة على حبل المشنقة!

إنها ما زالت ترعب الجلادين!

Exit mobile version