Site icon صحيفة الصيحة

من يملك مفاتيح الدفع الإلكتروني… يملك القرار الاقتصادي

من يملك مفاتيح الدفع الإلكتروني… يملك القرار الاقتصادي

عمار سعيد

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُخاض بالصواريخ والدبابات وحدها، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر لوحات التحكم الرقمية، وأنظمة المدفوعات، وشبكات التحويل المالي، بل وحتى من خلال البطاقة البنكية الموجودة في جيب كل مواطن.

ولعل ما حدث لروسيا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا شكّل نقطة تحول فارقة في نظرة العالم إلى الاقتصاد الرقمي. فبين ليلة وضحاها، أدركت الدول أن الاعتماد الكامل على بنية مالية تسيطر عليها شركات أجنبية قد يتحول في أي لحظة إلى نقطة ضعف استراتيجية، وأن السيادة الوطنية لم تعد تقتصر على امتلاك جيش قوي أو احتياطي نقدي ضخم، وإنما تمتد إلى امتلاك مفاتيح الاقتصاد الرقمي نفسه.

اليوم، تسيطر شركتا Visa وMastercard على ما يقارب 90% من سوق بطاقات الدفع الدولية، وهي هيمنة لم تأتِ فقط نتيجة التفوق التقني، بل أصبحت مع مرور الوقت إحدى ركائز النفوذ الاقتصادي الأمريكي في العالم.

قد يبدو الأمر بالنسبة للمستخدم العادي مجرد بطاقة يستخدمها في شراء احتياجاته اليومية، لكن بالنسبة للدول، فإن هذه البطاقة أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي.

فعندما قررت الشركتان تعليق خدماتهما في روسيا، لم يكن ذلك مجرد إجراء تجاري، بل رسالة واضحة مفادها أن الاقتصاد العالمي ما زال يعتمد على بنية تحتية تستطيع اعتبارات السياسة والجغرافيا السياسية التأثير في عملها خلال ساعات.

هذه الحادثة لم تمر مرور الكرام.

الصين كانت من أوائل الدول التي قرأت المشهد مبكرًا، ولذلك لم تنتظر وقوع الأزمة حتى تبدأ في البحث عن البدائل. فمنذ سنوات، شرعت في بناء منظومة دفع وطنية متكاملة عبر UnionPay، قبل أن تعززها بمنصات الدفع العملاقة مثل Alipay وWeChat Pay، ثم انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدمًا بإطلاق مشروع اليوان الرقمي.

الصين لم تكن تبحث عن منافسة Visa وMastercard من أجل المكاسب التجارية فقط، وإنما كانت تبني ما يمكن تسميته بـ”الاستقلال المالي الرقمي”. فالدول الكبرى تعلم أن من لا يمتلك شبكة دفع خاصة به، يظل جزءًا من شبكة يملكها الآخرون، ويخضع – شاء أم أبى – لقواعدهم وقراراتهم.

أما أوروبا، فقد وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة. فعلى الرغم من قوتها الاقتصادية، فإن جزءًا كبيرًا من عمليات الدفع الأوروبية لا يزال يعتمد على الشبكات الأمريكية، وهو ما دفع البنك المركزي الأوروبي إلى تسريع مشروع اليورو الرقمي، بالتوازي مع مبادرات لإنشاء بنية أوروبية مستقلة للمدفوعات.

الرسالة الأوروبية تبدو واضحة: لا يمكن الحديث عن سيادة رقمية بينما تمر المدفوعات اليومية لمئات الملايين عبر شبكات خارج القارة.

ومن هنا بدأ مفهوم جديد يفرض نفسه على أجندة الاقتصاد العالمي، وهو السيادة المالية الرقمية.

ففي الماضي، كانت الدول تقيس قوتها بحجم احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية، ثم أصبح النفط والغاز عنصرين حاسمين في موازين النفوذ، أما اليوم، فإن امتلاك شبكة دفع وطنية آمنة أصبح لا يقل أهمية عن امتلاك البنك المركزي نفسه.

ولذلك، لم يعد مستغربًا أن نرى دولًا مثل الهند تطور شبكة RuPay، وأن تعمل دول مجموعة بريكس على ربط أنظمة الدفع الوطنية فيما بينها، وأن تتسابق البنوك المركزية حول العالم لإطلاق العملات الرقمية السيادية.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس: هل ستختفي Visa وMastercard؟

الإجابة على الأرجح: لا.

فالشركتان تمتلكان بنية تحتية عالمية ضخمة، وشبكات قبول تمتد إلى معظم دول العالم، ومن الصعب أن يفقدا مكانتهما خلال سنوات قليلة.

لكن السؤال الأكثر أهمية هو:

هل ستستمران في احتكار السوق العالمي كما كان الحال خلال العقود الماضية؟

هنا تبدو الصورة مختلفة.

فالعالم يتغير بسرعة، والدول أصبحت أكثر حساسية تجاه أي اعتماد مفرط على بنية تحتية أجنبية، خصوصًا بعد أن أثبتت الأزمات الأخيرة أن الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن السياسة، وأن التكنولوجيا أصبحت إحدى أدوات الصراع الدولي.

ومن وجهة نظري، فإن السنوات المقبلة ستشهد انتقال العالم من نظام دفع عالمي أحادي الهيمنة إلى نظام متعدد الأقطاب، تتعايش فيه شبكات أمريكية وصينية وأوروبية وربما إقليمية أيضًا، بما يقلل من قدرة أي طرف منفرد على التحكم في حركة الأموال العالمية.

إن معركة المستقبل لن تكون فقط حول من يملك الذكاء الاصطناعي، أو من ينتج الرقائق الإلكترونية، أو من يسيطر على مصادر الطاقة، بل ستكون أيضًا حول من يمتلك الطريق الذي تسلكه الأموال.

فمن يملك هذا الطريق، يملك جزءًا كبيرًا من القرار الاقتصادي العالمي.

ولهذا، فإن الحديث عن أنظمة الدفع لم يعد شأنًا مصرفيًا بحتًا، بل أصبح حديثًا عن السيادة، والاستقلال، والأمن القومي، وإعادة تشكيل موازين القوة في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

Exit mobile version