الشعب السوداني عملاق.. يتقدمه أقزام

الشعب السوداني عملاق.. يتقدمه أقزام

حسن عبد الرضي

إن من العبارات التي قالها الأستاذ محمود محمد طه، وأثبتت الأيام صدقها، قوله: “الشعب السوداني عملاق يتقدمه أقزام.” فهي ليست عبارة إنشائية، ولا حكمًا عاطفيًا، وإنما تشخيص عميق لأزمة السودان الممتدة منذ ما قبل الاستقلال وحتى اليوم.

لقد رأى الأستاذ محمود أن المشكلة لم تكن في الشعب، وإنما في القيادة. فالشعب السوداني يمتلك من الذكاء، والكرامة، والصبر، والاستعداد للتضحية، ما يؤهله لبناء دولة عظيمة، لكن هذه الطاقات ظلت أسيرة قيادات قصيرة النظر، عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية.

واليوم، يكاد هذا الوصف ينطبق – في نظر كثيرين – بصورة مؤلمة على قيادة عبد الفتاح البرهان، وعلى من يبررون سياساته، وعلى قطاع من المحللين السياسيين الذين استبدلوا التحليل بالتبرير، واستبدلوا قراءة الواقع بترديد الخطاب الرسمي.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ليس الهزيمة العسكرية، وإنما الهزيمة النفسية التي تجعلها تتخيل الانتصار قبل أن توجد مقدماته. فالانتصار ليس بيانًا يصدر، ولا خطابًا حماسيًا، ولا احتفالًا إعلاميًا، ولا خطبةً على منبر أحد المساجد التي يُبتلى المصلون فيها بزيارة قائد الجيش، وإنما الانتصار هو نتيجة لأسباب واضحة: رؤية سياسية، ووحدة وطنية، ومؤسسات محترفة، واحترام للعقل، وصدق مع الشعب.

أما حين يغيب كل ذلك، ثم يُطلب من الناس أن يصدقوا أنهم سوف ينتصرون، فإن المشكلة لا تصبح في الوقائع، بل في طريقة التفكير نفسها.

والأكثر إيلامًا أن تجد من يسمون أنفسهم محللين سياسيين قد تخلوا عن وظيفة التحليل، وتحولوا إلى مفسرين لكل قرار، ومبررين لكل تناقض، حتى صار الخطأ عندهم صوابًا، والتراجع تقدمًا، والإخفاق إنجازًا.

لقد أصبح بعض هؤلاء يغيّرون قراءتهم للواقع كلما تغير الخطاب الرسمي، لا كلما تغيرت الوقائع. وهكذا يفقد التحليل معناه، ويصبح مجرد دعاية بعبارات أكاديمية.

ومن المؤسف أيضًا أن كثيرين ما زالوا يعتقدون أن البرهان على حق، لمجرد أنه يتولى قيادة الجيش، ولأنه يردد أن الله معه وأن الشعب السوداني معه، في كذبة لا يصدقها الواقع البئيس، وكأن المناصب تمنح أصحابها العصمة، أو كأن تكرار عبارات “الشعب السوداني” و”الله معنا” يمنح مرددها صكًّا يشهد له بالإيمان، أو كأن الوطنية تُقاس بدرجة التأييد للحاكم، لا بمدى الإخلاص للحقيقة.

إن من حق أي إنسان أن يؤيد من يشاء، ولكن ليس من حق أحد أن يعطل عقله، أو أن يطلب من الآخرين أن يعطلوا عقولهم معه.

فالقيادة تُقاس بقدرتها على بناء المستقبل، لا بقدرتها على صناعة الخطابات. وتُقاس بصدقها مع شعبها، لا بكثرة الوعود. وإذا أصبح الكذب عادةً سياسية، فإن الثقة تنهار، حتى إذا قال صاحبه الحقيقة لم يعد الناس يصدقونه. وسوف يأتي اليوم الذي يقف فيه الكاذب عاريًا أمام الحقيقة، وتصبح حجته داحضة أمام الجميع.

وهذه ليست مشكلة شخص واحد، وإنما مشكلة نظام كامل يقوم على تغييب الوعي، وإحلال الولاء محل التفكير، والانفعال محل العقل.

وهنا تتجلى عبقرية عبارة الأستاذ محمود مرة أخرى. فهو يؤكد أن الشعب السوداني عملاق بفطرته، وأن هؤلاء العمالقة يتقدمهم الأقزام. فالخلل ليس في الأمة، وإنما في من يقودونها، وفي من يصنعون لها الوهم بدلًا من الوعي.

ولهذا ختم الأستاذ محمود حديثه بالدعاء أن يرث الشعب قياداته، وأن تخرج القيادة من القاعدة، فتعيش حياة الناس، وتشعر بآلامهم، وتسلك سلوكهم، لا أن تهبط عليهم من فوق محمولةً بأجهزة السلطة والسلاح والدعاية، كما أثبتت تجارب التاريخ السوداني.

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من المبررين، ولا إلى مزيد من المصفقين، وإنما يحتاج إلى رجال ونساء يمتلكون شجاعة الاعتراف بالواقع؛ لأن الاعتراف بالحقيقة هو أول طريق الخروج من الأزمة.

وسيظل الشعب السوداني، رغم كل ما مر به، أكبر من قياداته الحالية، وأوسع من أوهامها، وأقدر على صناعة مستقبله عندما يجد القيادة التي تحدث عنها الأستاذ محمود محمد طه؛ قيادةً تنبع من الشعب، لا تتسلط عليه، وتخدمه، لا تستخدمه. وعندها فقط، لن يبقى العملاق أسيرًا للأقزام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى