وزارة الغفران السياسي

وزارة الغفران السياسي
د. الوليد مادبو
يختفي أحدهم قليلاً، ثم يعود إلينا بوجه جديد، وبالمفردات القديمة نفسها. يعلن أنه اكتشف الحقيقة أخيراً، وأن الغشاوة انقشعت عن عينيه، وأنه تاب مما سلف، ثم يشرع في أداء الطقوس المعتادة: قليل من التأثر، كثير من الشتائم، وإفراط ملحوظ في استعمال كلمة “المليشيا”، كأنها كلمة السر التي تفتح أبواب الغفران السياسي.
في المرات الأولى كنا نندهش. نقرأ البيان مرتين، ونستعيد المقطع أكثر من مرة، لنتأكد أن الرجل الذي كان يحدثنا بالأمس عن السودان الجديد، وعن ضرورة اقتلاع الجذور العتيقة لدولة المركز الظالمة، وعن مشروع يستحق المخاطرة والأمل، هو نفسه الذي يقف أمامنا اليوم معلناً توبته وعودته إلى “حضن الوطن”. لكن الدهشة، شأنها شأن كل العواطف المستهلكة، تتآكل مع كثرة التكرار، حتى يتحول المشهد كله إلى حلقة معادة من مسلسل يعرف المشاهد نهايته قبل أن تبدأ.
ومع ذلك، فإن المشكلة لم تكن يوماً في حق الناس في مراجعة مواقفهم. فالتراجع عن الخطأ فضيلة، وتبديل القناعات علامة صحة لا موضع اتهام. بل إن تاريخ الفكر الإنساني ليس سوى سلسلة طويلة من المراجعات والانقلابات على المسلمات القديمة.
غير أن ما نشهده اليوم لا يشبه المراجعات الفكرية في شيء. إذ لا نكاد نعثر على أثر للفكرة التي ماتت، أو للحجة التي هُزمت، أو للسؤال الذي أرهق صاحبه حتى قاده إلى الضفة الأخرى. ولهذا يظل السؤال الأكثر بساطة هو أيضاً الأكثر إحراجاً: لماذا جئت أصلاً؟ ما الفكرة التي أقنعتك بالانضمام إلى المسيرة؟ وما الذي رأيته في مشروع “تأسيس” حتى دعوت الناس إليه وقلت إنه أفق يستحق الرهان؟ وما الذي كنت تدافع عنه حين كنت تحث الآخرين على الانضمام؟.
ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ أي كتاب قرأت؟ وأي مراجعة أجريت؟ وأي حجة نسفت حجتك الأولى؟ وما الذي تبدل في بنية قناعاتك حتى انتهيت إلى الضفة الأخرى؟.
لا أحد يجيب. لا مراجعات فكرية، ولا نقداً ذاتياً، ولا اعترافاً بخطأ في التقدير، ولا حتى محاولة جادة لتفسير الانتقال من موقع إلى آخر. فقط الوصول إلى النتيجة الأخيرة دون أن يكلف أحد نفسه عناء شرح الطريق التي قادته إليها. كانوا مقتنعين بلا أسباب واضحة، ثم طفقوا راجعين حسب محددات ومقررات دليل التوبة الذي أعدته وزارة الغفران السياسي.
ومن هنا تتجاوز المسألة حدود الأشخاص لتتحول إلى سؤال فلسفي عن طبيعة السياسة نفسها في المجتمعات المأزومة. فالسياسة، في معناها النبيل، مجال للأفكار واختبار للحجج وصراع بين تصورات مختلفة للخير العام. لكنها تتحول في الأزمنة المأزومة من مجال للاقتناع إلى فضاء للتكيف، ومن اختبار للحجة إلى إدارة للانتماء، ومن ساحة يتواجه فيها المختلفون بالأفكار إلى مسرح للطقوس والشعائر.
لم يعد الإنسان مطالباً بأن يشرح لماذا يؤمن، بل فقط أن يحدد أين يقف. ولم يعد السؤال: ماذا تقول؟ بل: مع من أنت؟.
وهنا يتبلور السؤال الأشد قسوة: إذا لم يكن انضمامكم قائماً على حجة، ولم يكن خروجكم قائماً على حجة، فبأي بوصلة كنتم أيها المناضلون تتحركون؟.
إن هذا السؤال لا يكشف فقط هشاشة بعض التحولات، بل يكشف شيئاً أعمق: طريقة تعاملنا المرتبكة مع الفكرة نفسها. فبعض الناس لا يدخلون المشاريع العامة لأنهم اقتنعوا بها، ولا يغادرونها لأنهم راجعوا أنفسهم فكرياً، بل يتحركون داخل المجال السياسي كما يتحرك المسافر المتعب في صالة انتظار مزدحمة؛ يجلس حيث يجد مقعداً شاغراً، ثم يغادر متى خُيل إليه أن المقعد الآخر أكثر أمناً أو أقرب إلى مخرج المخاطر الرئيس.
أما الذين يتعاملون مع السياسة بوصفها قضية مصير، فإنهم يدركون أن الانتماء إلى مشروع تاريخي ليس نزوة عاطفية ولا بطاقة عضوية تُسلَّم صباحاً وتُسترد مساءً، بل موقف فكري وأخلاقي لا يكتمل إلا بقدرته على تبرير نفسه أمام العقل والضمير.
يحكي سورين كيركغارد قصة مهرج خرج من السيرك مستنجداً بأهل القرية لأن الخيمة تحترق. أخذ يصرخ محذراً من النار، لكن الناس ظنوا أن استغاثته جزء من العرض، فصفقوا له وضحكوا أكثر. وكان يرى أن مأساة العصر الحديث تكمن في هذا الالتباس: اختلاط الجاد بالهزلي حتى يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والتمثيل.
ولعل السياسة عندنا تعاني من المرض نفسه. فلم يعد الناس يميزون بين المراجعة الفكرية والمشهد الاستعراضي، بين الاقتناع الحقيقي وإدارة الصورة، بين الاعتذار الصادر عن صراع ضمير حي، والاعتذار الذي يُلقى بوصفه إجراءً بروتوكولياً للعبور إلى الضفة الأخرى. وهكذا تحولت “التوبة السياسية” إلى طقس متكرر له مفرداته الثابتة: إعلان وصول، أداء تحية، وترديد كلمات السر المتفق عليها.
ومن حسن الحظ أن الأفكار الكبرى لا تُقاس بعدد الداخلين والخارجين منها. فالحق لا يصبح حقاً لأن الناس احتشدوا حوله، ولا يفقد شرعيته لأن بعضهم غادره. وقد لخص علي بن أبي طالب هذه الفكرة حين قال: “اعرف الحق تعرف أهله”، لأن الرجال يُعرفون بالحق لا العكس.
أما نحن، فقد تجاوزنا منذ زمن مرحلة الذهول. لم نعد نعتبر كل مغادرة حدثاً كبيراً، ولا كل عودة نصراً أخلاقياً. لقد أرهقنا هذا المسرح الذي يعاد فيه العرض نفسه بالممثلين أنفسهم، حتى فقد عنصر المفاجأة تماماً. ولذلك لم يعد السؤال: لماذا غادر فلان؟ ذلك سؤال استُهلك حتى النهاية. بل السؤال الحقيقي هو: ماذا تكشف هذه التحولات عن علاقتنا بالأفكار؟ وكيف أصبح ممكناً لإنسان أن يغيّر موقعه السياسي جذرياً دون أن يشعر أنه مدين بتفسير فكري واحد؟.
وإذا عجز عن الإجابة، فربما جاز لنا أن نكتفي بالسؤال الذي يتردد ببرود ساخر، كلما ظهر وجه جديد على خشبة العرض القديم: من التالي في قائمة العائدين إلى “حضن الوطن”؟
أما نحن، فسنحتضن هذه الراية بأضلعنا إن نُزعت من أيدينا، إذ ليس لنا من دونها ناحية. لقد كان “تأسيس” آخر محطاتنا، لا لأنه الطريق الأسهل، بل لأنه، في نظرنا، الفرصة الأخيرة لإنقاذ السودان من دوائر التخلف والتبعية وإعادة إنتاج الفشل القديم.




