نحو فهم أعمق لمشكلة شرق السودان  (2-5)

نحو فهم أعمق لمشكلة شرق السودان  (25)

يوسف عيسى عبد الكريم

مواصلة في سلسلة المقالات لتقريب الفهم لمشكلة شرق السودان وفي إطار التعريف بالتركيبة السكانية في الإقليم نتناول هنا المجموعات السكانية التي استقرت في الإقليم وجاورت المجموعات الأصلية.

ورغم شيوع التقسيم السابق، فإنه يظل تصنيفاً تبسيطياً يهدف إلى تقريب صورة التركيبة السكانية للإقليم، إذ توجد مجموعات وقبائل أخرى تُعد جزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي والاجتماعي للبجا.

وقد أشار عدد من الباحثين والمؤرخين إلى هذه الحقيقة، ومنهم مؤلف الأستاذ محمد أدروب اوهاج في كتابه المهم مؤتمر البجا و قد ذكر فيه أن قبائل البجا الرئيسة والممتدة من شمال الإقليم إلى جنوبه تشمل: البشاريين، والأمرأر، والأشراف، والكميلاب، والأرتيقة، والهدندوة، والملهيتكناب، والحلنقة، والبنو عامر، والحباب. حين يتحدث الناس عن شرق السودان غالباً ما يتعاملون معه وكأنه فضاء قبلي بسيط يمكن فهمه من خلال أسماء قليلة أو معادلات سياسية مباشرة. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً وثراءً من ذلك بكثير.

فالشرق لم يكن يوماً إقليماً مغلقاً على نفسه، بل كان عبر تاريخه الطويل بوابة السودان إلى العالم. فمن خلال موانئه عبر التجار والحجاج والبحارة والمهاجرون، وعلى أرضه التقت طرق التجارة القادمة من الجزيرة العربية ووادي النيل والقرن الإفريقي. ولهذا السبب تشكلت شخصيته الاجتماعية من طبقات متراكمة من الشعوب والثقافات والهجرات المتعاقبة.

صحيح أن البجا يمثلون أقدم وأكبر المكونات الاجتماعية في الإقليم، لكن المجتمع البجاوي نفسه ليس كتلة واحدة. فهو يضم مجموعات وقبائل متعددة مثل البشاريين والأمرأر والأشراف والكميلاب والأرتيقة والهدندوة والحلنقة والبني عامر والحباب وغيرها من المجموعات التي تشكل مجتمعة العمود الفقري التاريخي للشرق.

غير أن قصة الشرق لا تتوقف عند حدود هذه المكونات. فقد جاءت إليه عبر العقود مجموعات أخرى من مختلف أنحاء السودان واستقرت فيه حتى أصبحت جزءاً من هويته المحلية. ففي حلفا الجديدة استقر آلاف الحلفاويين و المحس الذين هُجّروا من وادي حلفا بعد بناء السد العالي، وفي دلتا القاش استقرت مجموعات زراعية من الشايقية وغيرهم، بينما انتشرت مجتمعات الهوسا في مناطق الإنتاج الزراعي والأسواق والمدن.

وكانت الموانئ والمدن الشرقية أيضاً فضاءً رحباً للعمال والتجار والحرفيين. فقد لعب أبناء النوبة دوراً مهماً في أعمال الموانئ والبناء والخدمة العسكرية، وأسهموا في تشييد جزء مهم من البنية الحضرية التي نراها اليوم. كما جاءت أسر حضرمية ويمنية حملت معها خبراتها التجارية وأسهمت في ازدهار الأسواق والحركة الاقتصادية، بينما ترك التجار الهنود بصمتهم الواضحة على تاريخ التجارة الحديثة في مدن مثل بورتسودان وسواكن.

ومن بين المجموعات التي أصبحت جزءاً من المشهد الشرقي أيضاً قبيلة الرشايدة التي استقرت في الإقليم منذ أواخر القرن الثامن عشر، ونسجت مع مرور الزمن علاقات اجتماعية واقتصادية جعلتها أحد مكونات الشرق المعروفة اليوم.

لهذا فإن النظر إلى شرق السودان باعتباره ملكاً لمجموعة واحدة أو تعبيراً عن هوية واحدة هو تبسيط يظلم التاريخ والواقع معاً. فالشرق الذي نعرفه اليوم هو حصيلة قرون من التفاعل والتعايش والتداخل البشري. إنه فضاء صنعه الرعاة والمزارعون والبحارة والعمال والتجار والنازحون والمهاجرون معاً.

ومن هنا فإن مستقبل الإقليم لن يُبنى على منطق الغلبة أو الاحتكار، وإنما على الاعتراف بهذه الحقيقة الأساسية: أن شرق السودان كان دائماً أرض التلاقي لا أرض العزلة، وأن قوته الحقيقية تكمن في تنوعه لا في إقصاء بعض مكوناته لصالح بعضها الآخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى