لماذا يتبولون هكذا علي جثة وطن ذبيح؟!
الجميل الفاضل
تعثر أمس الأربعاء افتتاح الاجتماعات السياسية التي دعت لها الآلية الخماسية في العاصمة الإثيوبية، عقب خلافات بين الأطراف المشاركة، بشأن تركيبة الوفود والقوى المدعوة للقاء.
أعادني هذا الموقف إلي وصف أطلقه الأستاذ محمود محمد طه، قائلاً: “إن شعب السودان شعب عملاق يتقدمه أقزام“.
فقد فشلت أمس فقط، ثلاثة كتل سياسية مجازية، مثلت آخر نسخ من هؤلاء القادة الأقزام، في بدء تقديم آخر عروضها علي مسرح أديس ابابا.
لينشأ في ذهني سؤال: أما آن لهذا العملاق النائم أن يصحو الآن كي يزيح ويمنع تبول هذا النوع من الأقزام علي رأسه وكتفيه في كل مرة؟.
ففي أديس أبابا، تتكاثر اللحظة وجوه شتي حول موائد الكلام، تتهافت كالفراش حول مصباحٍ آيلٍ للانطفاء أو آيل للسقوط، يجلسُ هناك نفرٌ من سَدَنَةِ النظام القديم، ينفخون في رماد المجامر الآفلة، يحاولون عبثًا إيقاظ جثّةٍ مهترئة لفظها البحر علي ساحل الخراب.
يتجادلون حول المقاعد، والبلادُ بأسرها تقف على حافة هاوية السقوط.
يتفاوضون على خرائط السلطة، بينما الخرائط نفسها تتبدل تحت أقدامهم وأرجلهم.
يتقاسمون ظلال القصور، بينما الشعب يبني من عظامه جسور عبوره نحو غد مجهول.
يا هؤلاء، أما سمعتم هدير هذه الأرض؟ أما رأيتم السودان وهو يخرج من قديمة كما تخرج حية من جلدها باكتمال الفصول؟
أما أدركتم أن الحرب لم تكن مجرد نارٍ أكلت الحجر والبشر، ألم تعلموا إنها كانت مطرقةً إلهيةً تهوي لكسر أبواب التاريخ المؤصدة؟
وللحقيقة، فقد وقع الزلزال.
وما سقط هنا ليس حجر واحد فقط، لكن الذي سقط هو عصرٌ بكامله.
سقطت أوثان الأحزاب، سقطت يقينيات النخب، سقطت لغة “القونات” الفاجرة التي كانت تتحدث بها السياسة السودانية لعقود.
الي أن أضحي هذا الوطن الجريح يبحث اليوم عن قاموسٍ جديدٍ يليق بدمائه المهدرة.
يحدث هذا، رغم أنكم ما زلتم تبحثون عن مفاتيح لأبوابٍ لم تعد موجودة.
وما زلتم ترسمون خرائط لبلادٍ غادرت مكانها، بل وما زلتم تفاوضون أشباحا تظنون أنها سفن ذات ألواح ودثر.
أما السودان الذي كنتم تعرفونه، فقد مضى بعيدًا، بعيدًا جدًا.
حتى صار بينه وبينكم بُعدُ الرؤيا عن عيون بها قذي، أو أصابها رمد.
هناك، في القرى المحروقة، وفي دروب النزوح الطويلة، في التكايا التي توزع الخبز كما يوزع الأولياء بركاتهم.
وفي الأمهات اللواتي يخبزن الصبر مع أقراص الذرة.
وفي الشباب الذين يحملون الوطن على أكتافهم كما يحمل المتصوفة نوباتهم ورايات ذكرهم في الحوليات.
هناك فقط، يولد السودان الجديد، لا في ردهات الفنادق، ولا في قاعات التفاوض، ولا تحت أضواء عواصم الوسطاء.
لكن في خلوة كبرى أدخلت هذه الحرب إليها هذا الشعب، هي خلوة الألم، وخلوة الفقد، وخلوة اكتشاف الذات.
فيما لا زلتم انتم تتحدثون عن تمثيل شعبٍ صاح ذات يوم:
«أنا جدي ترهاقا… وحبوبتي كنداكة.»
لم يكن ذلك هتافًا، لقد كان كشفًا لسر دفين.
وكان استعادةً مدهشة لذاكرةٍ نامت طويلًا تحت رمال القرون.
علي أية حال، فإن هذا الشعب لم يعد إبن أمسه الذي لا زلتم اسراه. فمن بين أكوام الرماد، ومن بين فرث الحرب، ودماء ضحاياها، سيخرج للناس، جيلٌ جديد من قياداتٍ تشبه لون هذه الأرض، وعمقها، وعنفوانها التاريخي التليد. قياداتٌ تملك الشجاعة لقول “لا” في وجه الإملاءات، تستمد شرعيتها فقط من عمق تراب هذا الوطن الصامد.
قادة من أحفاد رماة الحدق حين كان النيل يصنع الإمبراطوريات العظيمة.
وأحفاد الشمس حين كانت مروي تعلم الحجر كيف يتحول إلى حديد.
المهم هم أحفاد كوش حين كانت الأرض كلها تعرف أن الجنوب البعيد يخفي مملكةً يهابها ملوك الأرض قاطبة.
ولعلمكم فإن من يخرج من رحم تلك الحضارة لا يمكن أن يعيش إلى الأبد رهن الضعف والفشل.
كما لا يمكن أن يقبل أن يقوده الذين أدمنوا الهزيمة التي صارت جزءًا من هويات هواة السياسية وناشطيها في هذه البلاد.
فاسمعوا جيدًا يا من انخرطتم حاليًا في ملعب “خماسيات” أديس:
إن قطار الوعي السوداني لم يغادركم فقط، لكنه تجاوز الزمن الذي تنتمون إليه برمته.
لقد دخل السودانيون فضاء الـ«لا» العظيم.
لا للطائفية، لا للوصاية.
لا للاستتباع، لا لتجار الدم، لا لباعة الأوطان.
لا لكل ما يشبه الموت وهو يرتدي أثواب حياة ميتة.
لا للقداسة في مسرح السياسة، ولا للزعامة في مرتع القدامى، ولا للوراثة علي كراسي الرئاسة، ومن وراء هذه الـ«لاءات» كلها تلوح ملامح فجر آت.
هنا يترأى السودان كأنوار مقام صوفي تشق الظلام بأضوائها، هو مقام أراه ينهض من تحت طبقات الرماد، مثل طائرٍ أسطوريٍّ يغتسل بالنار ليولد من عدم.
أراه وطن يجمع أشلاء روحه المبعثرة على الجهات الأربع، قبل أن يصعد، درجةً درجة، وجرحًا جرحًا، ونجمةً نجمة.
نحو قدره المؤجل منذ قرون.
لكن حين يكتمل هذا الصعود، لن يكون هذا البلد بحاجةٍ إلى شهودٍ من خارجه.
ولا إلى صكوك اعترافٍ من أحد.
فالأمم العظيمة لا تستأذن التاريخ كي تدخل إليه بعد غياب، لكنها تقتحمه كالسيول الجارفة.
أما أنتم، أيها الآتون من وراء السراب، فستمضون كما يمضي غثاء السيل.
وتبقى الأرض، ويبقى النهر، ويبقى البحر.
وتبقى الغابة، وتبقى الصحراء، ويبقى الشعب، ويبقى السودان، ذلك السرُّ الإلهيُّ المودَعُ بين طيات وتضاعيف عقول شابة، وقلوب متحررة، يبقى هو ذلك الاسمُ الذي كلما ظنَّ العالمُ أنه انكسر، خرج من انشطارته أكثر اتساعًا، وأشدَّ بريقًا ولمعانًا.

