Site icon صحيفة الصيحة

ياقوت العرش في زمن الحرب

ياقوت العرش في زمن الحرب

أحمد عثمان جبريل

أيُّ وطن هذا الذي تتسع فيه المقابر وتضيق فيه الحياة؟ وأيُّ سلطة تلك التي تتحدث باسم الشعب بينما يتناثر الشعب بين المنافي ومخيمات النزوح وخرائط الانتظار؟ ثم كيف لقصيدةٍ كُتبت قبل عقود أن تبدو اليوم وكأنها تقرير حيٌّ عن السودان وهو يعبر إحدى أكثر محطاته ظلاماً؟ .. تلك هي المفارقة التي تجعل من “ياقوت العرش” لمحمد الفيتوري نصاً يتجاوز الشعر إلى ما يشبه (النبوءة الأخلاقية) أو شهادةً مبكرة على زمن لم يكن قد جاء بعد.

❝ والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء.❞

— محمد الفيتوري

(1)

حين كتب الفيتوري: “دنيا لا يملكها من يملكها” لم يكن يصف حكمة صوفية عابرة، بل كان يعرّي الوهم الأكبر الذي سقطت فيه النخب والحكام وقادة الحروب عبر التاريخ.. فما الذي يملكه المتصارعون اليوم في السودان؟ هل يملكون وطناً تتآكل مدنه وقراه؟ أم يملكون سلطة فوق أرضٍ فقدت أمنها وطمأنينتها وأبناءها؟ .. الحقيقة المؤلمة أن من يتقاتلون على البلاد لا يحصدون سوى أنقاضها، بينما يدفع المواطن وحده فاتورة الصراع كاملة من دمه ومستقبله وذاكرته.

(2)

ويأتي البيت الأكثر إيلاماً في لحظتنا الراهنة: “والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء.”.. فكم من الشعارات ارتفعت حتى حجبت الحقيقة، وكم من الكلمات الكبيرة استُخدمت ستاراً كثيفاً لإخفاء مشاهد النزوح والجوع والانهيار. تُرفع رايات السيادة، فيما السيادة الحقيقية تُسحق تحت أقدام الحرب، وتُتلى خطب الوطنية بينما المواطن يبحث عن دواء أو رغيف أو طريق آمن ينجو به من الموت.. وما بين الشعارات والواقع تتسع المسافة حتى تصبح الحقيقة نفسها ضحيةً أخرى للحرب.

(3)

وفي السودان الذي أنهكته البنادق، يبدو تاج السلطان الغاشم الذي تحدث عنه الفيتوري حاضراً في كل زاوية من المشهد.. فكم من منصة ارتفع فوقها خطاب القوة بينما كانت آلاف الأسر تفترش الأرض في العراء؟ وكم من حديثٍ عن الانتصارات قيل فيما الخسارة الحقيقية كانت تُكتب في دفاتر الناس البسطاء؟ غير أن القصيدة، كما الحياة، لا تمنح المجد لأصحاب التيجان الثقيلة، بل لأولئك الذين يحملون أعباء الآخرين بصمت؛ للمتطوعين، وللنساء الصابرات، وللشباب الذين يطاردون معنى الحياة وسط ركام الموت.

(4)

وحين يقول الفيتوري: “أن الموتى ليسوا هم هاتيك الموتى” يفتح باباً واسعاً لفهم المأساة السودانية بأبعادها كافة.. فالموت ليس فقط ذلك الذي يحصي الضحايا بالأرقام، بل هو أيضاً موت الضمير حين يعتاد رؤية الدم، وموت السياسة حين تتخلى عن إنسانيتها، وموت المعنى حين يصبح الخراب خبراً يومياً لا يوقظ دهشةً ولا احتجاجاً.. وفي المقابل، يظل كثير من الراحلين أكثر حضوراً من أحياء فقدوا صلتهم بالقيم التي تجعل الإنسان إنساناً.

(5)

أما الصورة الأكثر قسوةً وإشراقاً في آن معاً فهي قوله: “وحكيم القرية مشنوق والقردة تلهو في السوق.”.. هنا لا يعود الشعر استعارةً بل يصبح وصفاً مباشراً لزمن الفوضى.. ففي أزمنة الحرب يُقصى العقلاء، ويُتهم أصحاب الأسئلة، وتُخنق الأصوات التي تحاول إنقاذ ما تبقى من الحكمة.. يصبح التفكير جريمة، والتبصر تهمة، بينما يعلو الضجيج حتى يغطي على الحقيقة كلها.. وعندما تُشنق الحكمة لا تنتصر القوة، بل يخسر الجميع.

(6)

وفي قلب هذا المشهد، يقف المواطن السوداني وحيداً أمام أعباء لم يصنعها.. يحمل نتائج قرارات السياسيين والعسكريين، ويدفع ثمن أخطاء النخب، ويتحمل كلفة الصراعات التي لم يُستشر فيها يوماً.. لهذا بدا الحزن في القصيدة جبالاً وأجيالاً ومقادير، لأن الحرب لا تسرق الحاضر فقط، بل تمتد إلى المستقبل، إلى المدارس التي أغلقت، والأحلام التي تعطلت، والأطفال الذين يكبرون في مناخ الخوف بدل الأمل.

(7)

وربما لهذا تنتهي الرحلة عند العبارة التي تختصر السودان كله اليوم: “فالحزن الأكبر ليس يقال.”.. فهناك من الأوجاع ما يتجاوز اللغة نفسها.. كيف يمكن للكلمات أن تصف أمّاً فقدت أبناءها، أو شيخاً اقتُلع من أرض عاش فيها عمره كله، أو مدينةً استيقظت لتجد نفسها غريبةً عن ملامحها؟.. إن المأساة الحقيقية ليست فقط فيما جرى، بل في اعتيادنا عليه. وهنا يضع الفيتوري الجميع أمام مرآة الضمير: ماذا يبقى من الوطن إذا انتصرت البنادق وخسر الإنسان؟..

ستزول العروش كما زالت عروشٌ قبلها، وستصمت المدافع يوماً كما صمتت آلاف المدافع عبر التاريخ، لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق الذاكرة السودانية طويلاً هو:”من الذي حمل الوطن حين تخلى عنه المتصارعون؟ والإجابة لن تكون في قصور السلطة ولا في بيانات الحرب، بل في وجوه البسطاء الذين ظلوا يحرسون معنى السودان وسط العاصفة.

فالتاريخ لا يخلد أصحاب القوة بقدر ما يخلد أصحاب المعنى، ولا يحفظ أسماء من أشعلوا الحرائق بقدر ما يحفظ أسماء من حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. أما ياقوت العرش الحقيقي، كما أراده الفيتوري، فلم يكن تاجاً فوق رأس سلطان، بل ضميراً حياً يرفض أن يساوم على الإنسان.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

Exit mobile version