تناقضات الكتلة الديمقراطية
عبدالرحمن العاجب
تثير التصريحات الأخيرة الصادرة عن الكتلة الديمقراطية جملة من التساؤلات حول مدى اتساق مواقفها السياسية مع المبادئ التي تعلن التمسك بها في ظل الأزمة السودانية الراهنة. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الكتلة أن “الوقت قد حان لحوار سوداني داخل السودان وبرعاية سودانية”، فإنها تضع في المقابل شروطاً وإقصاءات مسبقة تقوض جوهر أي عملية حوار وطني شاملة، وتفتح الباب أمام تناقضات سياسية يصعب تجاوزها.
من حيث المبدأ، تعتبر الدعوة إلى حوار سوداني خالص مطلباً مشروعاً يعكس تطلعات قطاعات واسعة من السودانيين الساعين إلى استعادة القرار الوطني بعيداً عن التدخلات الخارجية. غير أن نجاح أي حوار يرتبط بقدرته على استيعاب مختلف الأطراف الفاعلة والمؤثرة في المشهد السياسي، لا أن يتحول إلى منصة مغلقة تحدد مسبقاً من يحق له المشاركة ومن يجب استبعاده.
وتبرز أولى التناقضات في موقف الكتلة الديمقراطية عندما تعلن دعمها الكامل للقوات المسلحة السودانية باعتبارها ممثلة لإرادة الشعب السوداني، بينما تتحدث في الوقت نفسه عن حوار سياسي يفترض أن يقوم على التعددية وتوازن الرؤى. فإضفاء صفة التمثيل الشعبي الحصري على طرف واحد من أطراف الأزمة يطرح تساؤلات حول المساحة المتاحة لبقية القوى السياسية والمجتمعية للمشاركة في صناعة المستقبل السياسي للبلاد.
أما التناقض الثاني فيتمثل في رفض الكتلة الديمقراطية الجلوس مع أي حكومة موازية بحجة أن ذلك يمثل بداية لشق السودان. ورغم وجاهة المخاوف المرتبطة بوحدة الدولة السودانية، فإن معالجة الأزمات المعقدة عادة ما تتطلب الانخراط في حوار مع الأطراف المختلفة، لا الاكتفاء برفضها أو تجاهل وجودها. فالتجارب السياسية في العديد من الدول أثبتت أن التسويات الوطنية تنشأ غالباً من التفاوض مع الخصوم لا مع الحلفاء فقط.
ويزداد المشهد تعقيداً مع إعلان الكتلة رفضها مشاركة تحالف “تأسيس” في أي حوار مرتقب. فهذا الموقف يتناقض مع الدعوة الأصلية إلى حوار سوداني شامل، لأن استبعاد أي مكون سياسي أو اجتماعي ذي حضور وتأثير يضعف فرص الوصول إلى توافق وطني حقيقي. كما أن منطق الإقصاء، مهما كانت مبرراته، غالباً ما يؤدي إلى إنتاج أزمات جديدة بدلاً من حل الأزمات القائمة.
إن جوهر الحوار الوطني لا يكمن في الاتفاق المسبق بين المشاركين، بل في القدرة على جمع الأطراف المتباينة حول طاولة واحدة للبحث عن حلول مشتركة. لذلك تبدو مواقف الكتلة الديمقراطية وكأنها تسعى إلى حوار وفق شروط محددة سلفاً، لا إلى عملية سياسية مفتوحة تستوعب التعقيدات التي فرضتها الحرب والانقسام السياسي.
وفي ظل التحديات المصيرية التي تواجه السودان، فإن الحاجة تبدو أكثر إلحاحاً إلى خطاب سياسي يقوم على الشمول والتوافق بدلاً من الانتقائية والإقصاء. فالحوار الذي يُراد له أن ينقذ البلاد لا يمكن أن ينجح إذا بدأ بتحديد من يشارك ومن يُستبعد، بل ينجح عندما يصبح منصة وطنية جامعة تتسع لكل السودانيين وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات السياسية الضيقة.

