العلمانية وعقدة التاريخ الإسلامي المزيف

العلمانية وعقدة التاريخ الإسلامي المزيف

رشا عوض

في سياق الحديث عن العلمانية في السودان هناك كلام يتم ترديده كحقائق مسلم بها لا تقبل النقاش، مثل أن المسلمين ليسوا في حاجة للعلمانية لأن الالتزام بالإسلام سيحقق العدل والحرية ويحفظ حقوق المسيحيين واليهود، وان المسلمين عندما كانوا ملتزمين بالإسلام أقاموا حضارة ملأت الأرض عدلاً ونوراً وفي ظلها عاش المسلم والمسيحي واليهودي متساوين وقد سبق الإسلام أوروبا في الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى آخر هذه المغالطات التي تنهار تماماً أمام أي قراءة أمينة للمراجع الإسلامية التاريخية المعتمدة بواسطة المسلمين أنفسهم بمن فيهم السلفيين!

التاريخ شيء والدعاية الايدولوجية لمشاريع الإسلام السياسي شيء آخر!!

الإسلام في كل تاريخه السياسي لم يحقق المساواة بين المختلفين دينياً في كل الدول التي أقامها المسلمون، فكانت الجيوش تخرج من الجزيرة العربية وتفتح البلدان في اسيا وأوروبا وافريقيا وتضع سكان تلك البلدان أمام ثلاثة خيارات فقط: الإسلام أو دفع الجزية عن يد وهم صاغرون أو القتال الذي لو انتهى بانتصار المسلمين يؤدي إلى استرقاق الرجال وسبي النساء والاستيلاء على الأموال كغنائم.

تاريخ الدول الإسلامية شهد حروباً ضارية على السلطة بين المسلمين أنفسهم منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان! فالمسلمون قتلوا بعضهم البعض في صراع السلطة أكثر مما قتلوا غير المسلمين! ولم يكن هناك عدل أو حرية بالمعنى الذي نعرفه اليوم في ظل الدول والممالك التي أقامها المسلمون، وقد كانت تلك الدول تشبه زمانها ومكانها وتجسد تجارب ومعارف وخبرات المسلمين الذين اقاموها ولا تجسد الإسلام بالمطلق، نعم كان الإسلام عاملاً مهماً بالغ التأثير ولكنه في مجال السياسة والحكم بالذات لم يظهر كدين محض! بل كاجتهاد بشري وكعنصر متفاعل في معادلات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة جداً، وفي تلك التفاعلات كان الإسلام أو بالأحرى الاجتهادات الإسلامية تتفاعل من خلال بشر متنوعين ومختلفين في فهمه وتفسيره ولكل منهم انحيازاته الاجتماعية والثقافية التي أثرت في إسلامه بقدر ما تأثر هو بالإسلام، ولذلك تنوعت وتعددت دول المسلمين، وكان القاسم المشترك الأعظم بينها الاستبداد وغياب فكرة تداول السلطة سلمياً وهيمنة السيف كوسيلة لحيازة السلطة، وشهدت الدول التي أقامها المسلمون ألواناً وأشكالاً من القمع والظلم واضطهاد الأقليات الدينية والعرقية وحتى أصحاب المذاهب الإسلامية المغايرة للمذهب الذي تتبناه السلطة تعرضوا للتنكيل! وهذا كان يشبه تلك المرحلة من تطور البشرية، فتجربة المسلمين جزء من التاريخ ومحكومة بمنطقه وليست تجربة فوق تاريخية أو فوق إنسانية.

الإسلام هو دين ينطوي على هداية روحية ومحتوى أخلاقي ونظرة كلية للإنسان والكون والحياة في جانب المعاني والغايات، نصوص الإسلام قابلة لتأويلات يمكن أن تقود المسلم إلى أن يكون عادلاً ورحيماً وحافظاً لحقوق الآخرين المختلفين عنه، وذات النصوص الإسلامية قابلة لتأويلات أخرى يمكن أن تقود المسلم للتطرف والعنف وإهدار العدالة وظلم الاخرين واضطهادهم، وبكل آسف معظم تاريخ المسلمين لم تنتصر فيه التأويلات التي تقود للعدالة والرحمة بالمستضعفين واحترام المختلف حتى وإن كان مسلماً صاحب رؤية مختلفة، نحن كمسلمين أكثر أمة في هذا الكوكب تحتاج للعلمانية، نحتاجها لإدارة اختلافات المسلمين في فهمهم للإسلام وتأويلات نصوصه دون أن يكفر بعضهم بعضا!

يجب أن نكف عن ترديد الادعاء بأننا سبقنا أوروبا إلى العدل والحرية والمساواة، فهذه مجرد ادعاءات وتحيزات ايدولوجية عاطفية، أوروبا أنتجت الدولة الوطنية الحديثة وانتجت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وانتجت الطائرة والقطار والكمبيوتر والعلوم الحديثة والمنتجات التي طورت ويسرت حياتنا، والنموذج الحضاري الذي قدمته أوروبا نحن نقف امامه عاجزين! لا نجحنا في الاستفادة منه، ولا نجحنا في تجاوزه إلى الامام وقدمنا نموذجاً افضل منه، ولا حتى قدمنا نموذجاً سياسياً مغايراً لأوروبا ولكنه ينافسها في العلوم والاقتصاد والقوة كنموذج الصين مثلاً، كل ما نفعله هو تخدير أنفسنا بالماضي الذهبي الذي نلتمس منه الأحقية بسيادة الحاضر والأفضلية المطلقة على جميع البشر .

إن الديمقراطية وحقوق الإنسان والدولة الوطنية الحديثة – وهي بالضرورة وبالتعريف دولة علمانية- كلها منجزات تاريخية تخص العصر الحديث ونتاج مرحلة من مراحل تطور البشرية، وبالتالي لا معنى لأن نقول إن الإسلام اتى بها أو اتى بما هو افضل منها، لأن الإسلام ببساطة ظهر في مرحلة تاريخية مختلفة من تطور البشرية، ولم يخطر ببال المسلمين الذين عاشوا قبل ١٤٠٠ عام شكل ومضمون الحضارة الحديثة ناهيك عن أن يكون لديهم ما هو أفضل منها، وهذا لا يعيبهم بل هذا هو منطق التاريخ .

المسلمون ساهموا في المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية عبر علماء وفلاسفة كان اغلبهم للمفارقة محكوم عليه بالكفر والزندقة بواسطة التيار الفقهي المهيمن على الفضاء الثقافي والسياسي، ومنهم على سبيل المثال ابن سينا وأبوبكر الرازي وجابر بن حيان والحسن بن الهيثم وابن رشد وابن عربي والحلاج والجعد بن درهم الذي ذبحه والي العراق بأمر الخليفة الأموي يوم عيد الأضحى! اذ ختم الوالي خطبته بأن قال للناس ضحو ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم وذبحه في قعر المنبر !!! لماذا؟ عقاباً له على أفكاره!

أغلبية العلماء المسلمين الذين كانت لهم مساهمة في الحضارة الإسلامية عبر العلوم التجريبية لم يكونوا إسلاميين تقليديين! بل كانت لهم أفكار عقلانية وتوجهات فلسفية تم تكفيرهم بسببها! ولذلك قمة التناقض عندما تدافع تيارات الإسلام السياسي المحافظة عن الماضي الذهبي للحضارة الإسلامية! وفي ذات الوقت تهاجم العقلانية والعلمانية والفلسفة!

نحن الآن متخلفون، كيف نغادر واقع التخلف؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نجتهد في الإجابة عليه، والشروع في الإجابة يقتضي الانعتاق من سجن التاريخ المزيف الذي نحبس أنفسنا فيه ونعرف تاريخ المسلمين على حقيقته الموضوعية كتاريخ لتجربة إنسانية فيها ما فيها من اشراقات وفيها كذلك جوانب مظلمة وظالمة يجب تجاوزها، وكذلك لا بد من تجاوز فكرة أن الإسلام دين ودولة، أي تجاوز الأسطورة المركزية المؤسسة لجماعات الإسلام السياسي.

الإسلام دين ودائرة اشتغاله ضمير الفرد المؤمن به ووظيفته ترقية الإنسان في مدارج الفضائل الأخلاقية وتعميق التزامه بقيم الحق والعدل وتحفيزه على بذل الخير للمجتمع وتقديم اليقين الذي يركن إليه وهو يواجه أسئلة المصير والغاية من الوجود. ولكن تدين كل فرد هو بصمته الذاتية التي تخصه، هو معراجه الفردي الى الله، هو شأنه الخاص جداً الذي يجب ألا يتدخل في الدولة ولا تتدخل الدولة فيه. الدولة يحتاجها البشر لتنظيم اجتماعهم وتلبية احتياجاتهم في الامن والنظام والقانون ورعاية مصالحهم المشتركة في المجال العام، ولذلك تدار الدولة بالعقل العمومي الذي يخاطب البشر على اختلاف معتقداتهم الدينية.

وهناك أمر من الأهمية بمكان أن ندركه، وهو أن أكثر الأمم تحضراً في عالم اليوم لها تاريخ حافل بالظلم والتوحش والعنصرية والتخلف، ولكنها تطورت عندما خاضت مواجهة شجاعة وامينة مع تاريخها وتجاوزت ماضيها المظلم بعد ان اعترفت بانه مظلم وجزء منه مخجل يجب التبرؤ منه وتحذير الأجيال الجديدة من تكراره عبر إقامة المتاحف التي توثق بشاعته!

لا أحد في أوروبا الآن يحلم بإعادة محاكم التفتيش مثلاً ! او إعادة تجارة العبيد !

ولكن بعض المسلمين يحلمون بتطبيق حد الردة! وعودة عصور الفتوحات الإسلامية والجواري والسبايا وعودة الخلافة!

تنهض الأمم عندما تنظر إلى تاريخها بعين فاحصة وناقدة وتضع معايير أخلاقية على أساسها تقرر ما هو الجزء المظلم في تاريخها الذي يجب أن يكون مكانه المتحف لأخذ العظة والعبرة؟ وما هو الجزء المشرق الذي يمكن ان يلهم مسيرة الحاضر؟

الأمم التي تقدس تاريخها ستظل حبيسة فيه!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى