Site icon صحيفة الصيحة

دعوات عثمان ميرغني لتقديس الجيش عديمة الجدوى !

دعوات عثمان ميرغني لتقديس الجيش عديمة الجدوى !

رشا عوض

في مقالاته وحواراته ظل الأستاذ عثمان ميرغني يكرر فكرة ان الانحياز للجيش ليس اختياراً بل شرطاً من شروط الوطنية، وفي حوار مع الطريق ١٨ قال إن من ـركان الدولة التي يجب ان لا تمس الجيش والـمن والشرطة!

حسب مراجع العلوم السياسية لا يوجد ركن إسمه الجيش أو الامن أو الشرطة ، والدولة هي أرض بحدود جغرافية محددة بدوائر العرض، وشعب يعيش على هذه الأرض بحق المواطنة، وسلطة تنوب عن الشعب في ممارسة الحقوق السيادية للدولة وتنظيم الحياة العامة واحتكار العنف، اما الجيش والشرطة فهي أدوات تنفيذية تحت سلطة الدولة لأداء وظيفة احتكار العنف في الحدود الدستورية والقانونية التي تنبع من إرادة المواطنين التي تجسدها مؤسساتهم التشريعية في شكل دستور وقوانين، وأما جهاز الامن فهو أيضاً أداة تنفيذية ولكن لا يجوز ان تكون له علاقة باحتكار العنف لأن هذا شأن الشرطة في الفضاء المدني وشأن الجيش في الفضاء العسكري.

هذه هي الدولة الوطنية الحديثة باختصار شديد، وعندما تكون هذه الدولة ديمقراطية فان كل مؤسساتها تكون تحت مجهر النقد المشروع، فالعلاقة مع مؤسسات الدولة ذات الوظائف والمهام في الخدمة العامة مدنية او عسكرية ليست علاقة انحياز او عدم انحياز، ليست علاقة حب او كراهية، بل علاقة عقلانية ونقدية محكومة بمنطق المصلحة العامة ونجاح كل مؤسسة في أداء واجبها المهني!

مشكلة الأستاذ عثمان ميرغني انه في الوقت الذي يزعم فيه ان الجيش مؤسسة وطنية لا يجوز الاختلاف حولها، لا يناقش السبب الذي جعل السودانيين يختلفون حول الجيش بل يحتل الجيش مركز دائرة النقاش السياسي!!

السبب ببساطة هو ان الجيش تحول الى حزب سياسي مسلح منقسم على نفسه الى تيارات سياسية، لكل تيار جنرالاته، فهناك تيار الهيمنة الكيزانية وفروعه المتنافسة، وهناك تيار الجنرالات التقليديين المؤمنين بأحقية الجيش في حكم البلاد بالقوة، وهناك تيار النفوذ المصري المتمدد في كل التيارات وفكرته المركزية الحكم العسكري التابع لمصر وتيار اخر تربطه خيوط بامريكا والغرب.

ما دام هذا حال الجيش فمن يطلب توحد السودانيين خلفه يطلب المستحيل بعينه!! الجيش خرج بفعل فاعل عن وظيفته الطبيعية المتعارف عليها (حماية حدود الوطن والمواطنين من العدوان الخارجي في اطار دستوري وقانوني نيابة عن السلطة المدنية).

خرج عن هذه الوظيفة وانغمس في الصراع السياسي ولذلك الطبيعي جداً ان يكون له مؤيدون ومعارضون شأنه شأن اي حزب سياسي، بل هو الحزب السياسي الأسوأ على الاطلاق!

لماذا؟

لأنه ببساطة حزب مسلح يفرض نفسه بالقوة التي أحازها في الأساس لحماية المواطنين لا للوصاية عليهم !!

الجيش يشتري السلاح ويتدرب من مال كل الشعب، وبدلاً من أن يحمي كل الشعب يختار حماية نظام سياسي يعبر عن جماعة سياسية بعينها ويرفعها فوق رأس الشعب بانقلاب عسكري!

يستولي على السلطة بقوة السلاح المدفوع ثمنه من مال دافع الضرائب، وشيئاً فشيئاً تتقلص سلطة الجماعة السياسية لينفرد بالسلطة الجنرال الذي نفذ الانقلاب مستقوياً على الجماعة إياها بالتيار الغالب في الجيش المؤمن ايمان العجائز بان الجيش خلق ليحكم ويضع المدنيين تحت البوت بمن فيهم عناصر الجماعة إياها (أيا كانت يمينية او يسارية).

هذه باختصار حكاية الحكم العسكري الذي حكم السودان ٥٨ عاماً من أعوام الاستقلال السبعين ويقول هل من مزيد !!

الكيزان نفذوا الانقلاب الأخير مستغلين الجيش ولحماية انفسهم من ابتلاع الجيش صنعوا لأنفسهم جيوشهم الخاصة ممثلة في كتائب الظل، وهيئة العمليات في جهاز الامن، وفي ذات الوقت زرعوا عناصرهم في الجيش بكثافة ولا سيما في المفاصل القيادية.

هذه الوضعية المأزومة من تعدد الجيوش يجب ان تجعل كل عاقل في هذه البلاد يدرك ان الحكم العسكري في السودان ما عاد ممكنا والإصرار عليه وصفة نموذجية لحرب مثل الحرب التافهة المشتعلة حاليا !!

ولكن رغم ذلك فان البرهان يكرر ذات لعبة البشير ليظفر بالسلطة! والكيزان ما زالوا متمسكين بالحكم العسكري الذي اعتقدوا ان العقبة الوحيدة في الطريق اليه هي الد.عم السريع فأحرقوا البلاد في سبيل التخلص منه وفشلوا في ذلك حتى الان، واكتشفوا ان امامهم عقبة ثانية هي البرهان وان تخلصوا منه كما يحلمون ستتكشف لهم عقبة ثالثة هي خلافات تياراتهم ولكل تيار مليشياته وعناصره الموالية في الجيش والامن وعقبة رابعة هي تصنيفهم بواسطة أمريكا كتنظيم إرهابي.

كل هذه المعطيات تقول بوضوح ، لقد آن اوان التغيير في السودان، وأهم مطلوبات التغيير خروج الجيش من السياسة والاقتصاد والانخراط في عملية جادة للإصلاح الأمني والعسكري تهدف لإعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية في البلاد على أساس جديد ينتج عنه جيش مهني قومي واحد معافى من العيوب البنيوية المزمنة في الجيش الحالي .

هذا هو الأفق الوحيد لنجاح أي مشروع للسلام المستدام في السودان، أما التماس المخرج من الأزمة في تقديس الجيش بشكله الحالي فلن يقود إلا إلى استمرار طاحونة الحرب حتى تقود إلى تقسيم البلاد.

Exit mobile version