Site icon صحيفة الصيحة

بائعة الهوى في أحضان رجل وأذنها مع الطارق

بائعة الهوى في أحضان رجل وأذنها مع الطارق

‏عبد المنعم هلال

‏ـ صعدت تجربة الإسلام السياسي في السودان إلى الواجهة عبر انقلاب عام 1989 فيما عُرف بـ(الإنقاذ). قدّمت الحركة نفسها آنذاك كمنقذ للأمة من الفساد والانحلال ورفعت شعارات الإسلام وتطبيق الشريعة لتبرير وصولها إلى السلطة لكن مع مرور الوقت تبين أن تلك الشعارات لم تكن سوى واجهة تخفي خلفها مصالح ضيقة وصفقات سياسية واقتصادية لا تمت إلى الدين بصلة.

‏مصطلح (بائعة الهوى) هنا ليس توصيفاً عابراً بل استعارة مقصودة تعبّر عن ازدواجية عميقة نظام يعلن التمسك بالدين بينما يصغي في الخفاء لكل من يطرق بابه بما يخدم استمراره في الحكم.

‏خطاب مزدوج وممارسة متناقضة

‏ـ منذ البداية اعتمد النظام على خطابين متوازيين

‏داخلياً: خاطب العامة بشعارات الدين والجهاد وتطبيق الشريعة.

‏خارجياً: قدّم تنازلات متتالية للقوى الدولية والإقليمية لضمان البقاء والدعم.

‏رفعت السلطة شعارات مثل (هي لله لا للسلطة ولا للجاه) لكنها سرعان ما تهاوت أمام واقع اتسم بالفساد المنهجي ونهب الموارد حيث احتكرت النخبة الحاكمة الثروات وجرى توظيف الدولة لخدمة مصالحها الخاصة.

‏تحالفات متناقضة ومواقف متبدلة

‏ـ على الصعيد الخارجي تبنى النظام الكيزاني خطاباً معادياً للهيمنة الغربية لكنه في المقابل قدم تنازلات في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب وانخرط في تعاون استخباراتي مع أطراف دولية وساهم في مسارات سياسية انتهت بانفصال جنوب السودان.

‏هذا التناقض كشف بوضوح أن المبدأ لم يكن هو الحاكم بل مصلحة البقاء في السلطة.

‏توظيف الدين في السياسة

‏ـ أحد أخطر ملامح التجربة كان استخدام الدين كأداة سياسية فتحولت المساجد إلى منصات تعبئة حزبية

‏وتمت صبغ مؤسسات الدولة بطابع أيديولوجي ضيق.

‏لكن عندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018 جاء رد الشارع واضحاً بشعار (حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب)، وهو تعبير صريح عن رفض استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية.

‏تفكيك الدولة وإشعال الصراعات

‏ـ بدلاً من تعزيز الوحدة ساهمت سياسات النظام في تفكيك النسيج الاجتماعي وتغذية النزاعات القبلية ونشر التعصب والانقسام.

‏إرث ثقيل وحرب مدمرة

‏ـ بعد سقوط النظام وجد السودان نفسه أمام إرث معقد من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأسوأ أن تلك السياسات ساهمت بشكل مباشر في اندلاع الصراع الحالي بين الجيش وقوات الدعم السريع والنتيجة أرواح تُزهق ومدن تُدمر واقتصاد ينهار ووطن يتفكك أمام أنظار الجميع.

‏ـ تكشف هذه التجربة كيف يمكن لحركة ترفع شعارات دينية أن تتحول إلى ما يشبه (بائعة هوى سياسية) تغير مواقفها وفقاً للمصلحة وتساوم على القيم مقابل البقاء واليوم يقف السودان أمام حاجة ملحة إلى مشروع وطني حقيقي يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والشفافية والمؤسسية بعيداً عن توظيف الدين أو المتاجرة بالشعارات.

‏ـ الحقيقة المؤلمة أن ما حدث لم يكن مجرد فشل سياسي بل مسار قاد إلى دمار شامل.

‏السودانيون يواجهون الآن واقعاً قاسياً يحاولون فيه إعادة بناء وطنٍ أنهكته الصراعات وقد آن الأوان لأن يتنصت الجميع لصوت العقل والمبادئ لا لصوت يبدل مواقفه مع كل طارق حتى لو كان الثمن هو ضياع الوطن نفسه.

Exit mobile version