Site icon صحيفة الصيحة

مأسسة العنصرية

مأسسة العنصرية

الصادق حمدين

في بلادنا المنكوبة في نفسها، لم تكن العنصرية نتاجاً عفوياً لصراعات اجتماعية معزولة، بل هي مشروع مُمنهج صاغته دولة النخبة المركزية بعناية منذ فجر الاستقلال وأصبحت سياسة معتمدة مع اختلاف الأنظمة مدنية كانت أم عسكرية.

لم تكتف هذه الدولة الغنائمية التي لبست رداء القبيلة بالفشل في إدارة التعدد، بل ذهبت أبعد من ذلك: حولت التنوع إلى أداة للهيمنة، والاختلاف إلى وقود دائم للصراع.

هكذا وُلدت “مأسسة العنصرية القبلية” كسياسة حكم، لا كعرض جانبي يمكن تبريره على المستوى الاجتماعي.

إن سؤال الهوية في التجربة الرواندية الذي كان ورقة المستعمر الرابحة لتكريس هيمنته – “هل أنت هوتو أم توتسي؟” والذي انتهى بمجزرة مروعة ما زالت تدمي قلب الإنسانية – ذات السؤال يجد صداه المؤلم في السودان، ولكن بصيغة أكثر تعقيداً وخطورة.

فالدولة السودانية لم تترك هذا السؤال في إطاره الاجتماعي وليتها فعلت لسهل علاجه، بل نقلته إلى قلب مؤسساتها، وأعادت إنتاجه عبر التعليم، والإعلام، والفن والغناء، والتراث والخدمة المدنية واحتكار الأسواق بما في ذلك التجارة البسيطة، بل وحتى في توزيع السلطة والثروة.

والنتيجة: مواطن يُعرَّف أولاً بقبيلته، لا بحقوقه والتزاماته.

لقد اعتمدت الدولة النخبوية المركزية “النهبوية” على سياسة “فرق تسد” كخيار استراتيجي وشرط ضرورة لبقائها، لا كتكتيك مرحلي لخدمة غرض عابر.

عمدت هذه الدولة الغنائمية الاقصائية إلى تغذية الانقسامات القبلية، فرفعت من شأن مجموعات قبلية بعينها، ومنحتها الامتيازات والتمثيل وهذا واقع لا ينكره إلا من أصيب بعمى الانحياز وحَوَلْ المصلحة من عائد الانكار، في مقابل تهميش ممنهج لمجموعات أخرى، جُرِّدت من مواردها، وشُوِّهت ثقافتها، وأُقصيت من المجال العام.

لم يكن ذلك صدفة، بل كان جزءاً من معادلة السلطة: ولاءات مجزأة أسهل في السيطرة من هوية وطنية جامعة.

وهنا تكمن معضلة الدولة.

وهكذا تتحول الأداة إلى فاعل مستقل، وتتقاطع المصالح، وتنفلت السيطرة.

ما حدث في أطراف السودان، وما تكرر من نزاعات دامية داخل حاضرة المركز نفسه، ليس إلا دليلاً على ارتداد هذه السياسة على صانعها وما الحرب الطاحنة الآن إلا أحد ارتداد تلك السياسة وحصادها المُرّ.

إن أخطر ما في مأسسة العنصرية ليس فقط تكريس التمييز، بل شرعنته.

حين تصبح الدولة نفسها راعية للانقسام، تفقد أي ادعاء بالحياد، وتتحول من حكم بين مكونات المجتمع إلى طرف في الصراع.

عندها، لا تعود المؤسسات العامة فضاءً مشتركاً، بل أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة.

وتصبح العدالة مفهوماً انتقائياً، يُمنح ويُمنع وفق الانتماء القبلي، لا وفق القانون.

لقد آن الأوان لطرح السؤال الجذري: هل يمكن بناء دولة حديثة على أسس قبلية وعنصرية كما يتوهم بعض الانفصاليين؟

التجربة السودانية تجيب بوضوح قاس: لا وتعقبها لاءات لا متناهية.

فالدولة التي تُغذّي الانقسام والمحاباة تُقوِّض نفسها بنفسها، والوطن الذي يُختزل في هويات متناحرة يفقد معناه كإطار جامع.

وتبلغ المأساة ذروتها حين لا تكتفي الدولة بالصمت، بل تفسح منابرها للنشطاء وإعلاميي “بنكك” واللايفاتية والمتردية والنطيحة وبقايا ما أكل السبع، لترويج خطاب الإقصاء من قبيل “هؤلاء لا يشبهوننا”، وترويج تقسيم وهمي على أساس اللون لا يسنده واقع.

ولا ندري على سبيل الجزم واليقين – لصعوبة التفرقة بين – من هم الزرقة ومن هم العرب في سودان أزمة الهُوية هذا.

وحين ينزلق الخطاب الرسمي ذاته إلى ثنائية خطرة من نوع “نحن أو هم”.

عندها لا تعود الدولة حكماً بين الجميع، بل تتحول إلى راع مباشر للانقسام، ومُنتِج فعلي لاصطفافات قبلية تُهدد ما تبقى من فكرة الوطن الواحد.

إن الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر شعارات الوحدة الجوفاء التي لا تؤكل خبزاً، بل عبر تفكيك البنية التي أنتجت العنصرية: إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة المتساوية، الاعتراف بالتعدد الثقافي دون تراتبية انتقائية، وإقرار عدالة حقيقية في توزيع السلطة والثروة.

دون ذلك، ستظل “مأسسة العنصرية” هي القاعدة، وسيبقى السودان أسيراً لدائرة مفرغة من الصراع، تُديرها دولة لم تتعلم بعد أن التنوع قوة، لا تهديد.

وكأن بيت الشعر الدارج: “تأبى الرماح إذا اجتمعنا تكسّراً، وإذا افترقنا تكسّرت آحاداً”، الذي تعلمناه في بدايات التمدرس، لم يكن درساً في الوحدة الوطنية بقدر ما كان أداة لترسيخ سياسة الإقصاء والتفرقة.

Exit mobile version