Site icon صحيفة الصيحة

السينما السودانية: الثراء الوجداني واللون القاني.. إطلالة من برلين

السينما السودانية: الثراء الوجداني واللون القاني.. إطلالة من برلين

د. الوليد مادبو

في فعالية Spot light on Sudan ضمن مهرجان الفيلم العربي الذي احتضنته برلين في الفترة ما بين 22 و29 أبريل المنصرم، لم تكن مساهمات الروائي والناقد الدكتور أحمد حسب الله الحاج مجرد قراءةٍ نقدية للأفلام المعروضة، بل بدت أقرب إلى تشريحٍ هادئ—ومؤلم—لأعطاب الوجدان السوداني كما تعكسه السينما، أو كما تعجز عن عكسه.

علاقتي بالسينما قديمة، تعود إلى طفولةٍ كان فيها والدي—عليه رحمة الله—مولعًا بها حد الإدمان، يطارد شاشاتها في الخرطوم وفي مدنٍ أخرى خلال الإجازات. غير أن هذا الشغف اكتسب معنًى آخر حين سلكت درب العلوم السياسية، وتوقفت عند أدبيات كثيرة منها مقولة إدوارد سعيد: «أي نشاط ثقافي هو في النهاية فعل سياسي».

ومن هذا المدخل تحديدًا، يمكن فهم أطروحة أحمد الحاج: إذا كانت السياسة معنية ببناء الأمة، فإن الثقافة—في الحالة السودانية—لم تؤدِّ هذا الدور، بل كثيرًا ما كانت عائقًا لوحدة الشعوبٍ السودانية بالغة الثراء الوجداني كثيفة اللون القاني: حيث تحوّل فائض الشعور، حين تُرك بلا تأطيرٍ جامع، وبلا مشروعٍ وطنيٍ يستوعبه، إلى وقودٍ للانقسام وإراقة الدماء.

المفارقة أن البدايات لم تكن فقيرة زمنًا. فمنذ انطلاق السينما المتجولة عام 1946، ووحدة أفلام السودان عام 1949، كان يمكن لهذا الفن أن يتحول إلى وعاءٍ جامعٍ للوجدان، غير أن المسار انحرف مبكرًا. ففي العهد المايوي، حين هيمنت نخب يسارية ليبرالية تلقت تعليمها في أوروبا الشرقية، لم تتجه الجهود نحو تأسيس سينما تعبّر عن المزاج العام للمجتمع السوداني، ولا عن تطلعات طبقته الوسطى، بقدر ما انصرفت إلى تجريبٍ جمالي سريالي مغلق، انعكس في أفلام إبراهيم شداد (الجمل، الحبل)، حسين شريف (انتزاع الكهرمان)، الطيب مهدي (المحطة)، وسليمان محمد إبراهيم (لكن الأرض تدور)، ظلت—على أهميتها—نخبوية الأثر، محدودة الصدى، عاجزة عن النفاذ إلى وجدان جمهورٍ أوسع.

انقضت تلك المرحلة دون أن تترك خلفها تقليدًا سينمائيًا قادرًا على حمل الأسئلة الكبرى للمجتمع. ثم جاءت اللحظة التي وصفها منصور خالد بـ“النفق المظلم”، مع تحوّل نظام جعفر نميري نحو اليمين الأيديولوجي، فحدث فراغ مزدوج: هجرة المبدعين من جهة، وصعود خطابٍ يميني استثمر الفن أداةً للتعبئة لا للتعبير.

في هذا الفراغ، لم تعد السينما مرآةً للإنسان، بل صارت منبرًا لتكريس العنف. أعمال سيف الدين حسن—مثل ساحات الفداء والميل الأربعين وتحرير توريت—لم تكتفِ بتوثيق الحرب، بل أعادت إنتاجها رمزيًا، محتفيةً بالموت بوصفه ذروة المعنى. وحتى حين قدّم أعمالًا تبدو أقل صخبًا، كـأرض السمر، لم يغب عنها ذلك النفس الكيزاني الذي يختبئ خلف براءةٍ شكلية.

غير أن خطورة هذه التجربة لا تكمن في أيديولوجيتها وحدها، بل في قدرتها على ملامسة بنيةٍ أعمق في الثقافة السودانية، حيث تتجاور الجماليات مع القسوة: الشلوخ، دق الشِفة، الختان، البِطان، إطلاق الرصاص في الأفراح. هنا يصبح العنف مألوفًا، بل قابلاً للاحتفاء. ومن هذه التربة تحديدًا، تنبت قابلية استقبال الخطاب الفاشي، لا بوصفه وافدًا غريبًا، بل امتدادًا داخليًا. لذلك، لا يبدو ما شهدناه في الحرب الأخيرة—من ذبحٍ وبقرٍ للبطون—حادثًا استثنائيًا، بقدر ما هو تعبيرٌ فجّ عن مسارٍ ثقافي طويل.

وليس هذا التواطؤ بين الفن والعنف حكرًا على السودان. فالعالم نفسه احتفى—ولا يزال—بأعمال ليني ريفنشتال رغم خلفيتها النازية، كما في “انتصار الإرادة”. والمفارقة أن ريفنشتال وجدت طريقها لاحقًا إلى السودان عبر عملها عن النوبة (The Last of the Nuba)، حيث جرى تكريمها رسميًا. هنا، ينكشف التناقض: قدرة الفن على الإبهار قد تُعمي عن مساءلة مضمونه.

لكن اختزال الأزمة في صناع الأفلام وحدهم يظل تبسيطًا مخلًا. فالمشهد كان—ولا يزال—مزدحمًا بخطابات دينية وإعلامية غذّت هذا الاتجاه، من أقلامٍ مثل إسحاق أحمد فضل الله، إلى مؤسسات دعمها الطيب مصطفى، الذي بلغ به الأمر حدّ منع عرض فيلم عن الحياة البرية—حين كان مديرًا للإذاعة والتلفزيون—لأن ساقي النعامة، في نظره المأزوم، تستدعيان إيحاءات جنسية، تحديدًا عن المرأة خفيفة الساقين ثقيلة المنكبين. تلك ليست طرائف هامشية، بل أعراض لمرض أعمق، تناولت بعض جذوره في كتابي “المدينة الآثمة”، حيث أسهمت الجبهة الإسلامية القومية في تحويل الفضاء الثقافي من وجدانٍ مُؤجَّل إلى عنفٍ مُؤدلج.

ومع ذلك، فإن العطب لا يقف عند الأيديولوجيا، بل يمتد إلى شروط الإنتاج نفسها. وهنا تبرز ملاحظة الدكتور وجدي كامل، الذي يذهب إلى أن السينما السودانية لا تصنعها الأفلام الوثائقية، بل تصنعها الأفلام الروائية. غير أن غياب التمويل الحقيقي جعل من الفيلم الروائي كائنًا نادرًا، بينما طغت الوثائقيات—غالبًا بتمويلٍ أجنبي—موجّهة إلى جمهورٍ غير سوداني، قد تستوقفه غرائبية المشهد أكثر مما تعنيه أسئلته العميقة. والحال أن السودان ليس فقيرًا في الحكايات، بل ربما مثقلٌ بها حدّ العجز عن روايتها.

بل إن المفارقة الأشد إيلامًا أن الحياة السودانية نفسها تحولت إلى مسرحٍ مفتوح: السياسي الذي يتقن دور الدنجوان، رجل الاستخبارات الذي يلعب دور god father لأصحاب العاهات اللوطية، القمرتجي ومغتصب القاصرات الذي يتقمص هيئة رجل الدولة، الجنرال الذي يبرع في الكوميديا السوداء، وسمسار السياسة الذي يتنقل بين المعسكرات بخفة ممثل محترف. هؤلاء جميعًا، في جوهرهم، ممثلون بارعون، لكنهم يؤدّون أدوارهم في واقعٍ بلا كاميرا، فتتحول أمراضهم الشخصية—حين تغيب المساءلة—إلى أمراضٍ عامة.

هنا تحديدًا، تستعيد السينما معناها الغائب: لا بوصفها فضيحةً، بل بوصفها علاجًا. فالاعتراف، كما في التحليل النفسي، هو الخطوة الأولى نحو الشفاء. أن نرى أنفسنا كما نحن، لا كما نتخيل، هو الشرط الضروري لأي إبداعٍ حقيقي، وأي فردانيةٍ ممكنة.

من هذه الزاوية تحديدًا، تتبدّى أهمية ما قدّمه أحمد حسب الله الحاج في برلين. لم تكن مشاركته احتفاءً عابرًا بالسينما السودانية، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع: بين الفن والوجدان، بين الحكاية والناس، بين الجمال والحقيقة. لقد أعاد طرح السؤال المؤجَّل: كيف نصنع سينما لا تهرب من واقعها إلى التجريد، ولا تسلّمه إلى الأدلجة، بل تواجهه، تفككه، وتعيد تركيبه في صورةٍ قابلة للحياة.

برلين، في هذا السياق، لم تكن مجرد مدينةٍ تحتضن مهرجانًا، بل مرآة بعيدة نرى فيها أنفسنا عن قرب. وفي تلك المسافة تحديدًا، بين شاشةٍ تُعرض في أوروبا وذاكرةٍ تتشكل في السودان، يكمن الأمل: أن تتحول السينما من أداة تعبئة إلى أفق تحرير، ومن أرشيفٍ للعنف إلى مشروعٍ لإعادة تخيّل الأمة.

Exit mobile version