البحث عن الجامعة العربية (3-3)
د. محمد حمد مفرح
أشرت في الحلقة السابقة من المقال إلى أنه كان يتعين على الجامعة العربية، منذ تأسيسها، استشعار المسؤولية التامة تجاه الدول العربية، بغية تحقيق أهدافها المرسومىة، وذلك سعيا وراء تحقيق النهضة العربية الشاملة Comprehensive Arab Renaissance
فضلا عن خلق أسباب الاستقرار المعينة على استدامة هذه النهضة. و بالقطع لو قامت الجامعة بهذا الدور كما ينبغي، لكان الوضع العربي العام أفضل بكثير مما هو عليه حاليا. و هذا يعني، بداهة، أن أداءها كان ضعيفا، ما حال دون قدرتها على تحقيق أهدافها و بالتالي قاد إلى الوضع العربي الحالي الموسوم بحالة القعود المتطاولة. و مما يضاعف من بؤس هذا الوضع أن العديد من البلدان العربية، إن لم يكن أغلبها، ظلت تشهد، لسنوات طوال، تراجعات ملموسة على صعيد التنمية والتطور و النهضة الشاملة، في وقت ظلت فيه الكثير من دول العالم تشهد معدلات نمو متصاعدة Accelerated growth rates و ترتقي في سلم التطور و النهضة.
و كما ذكرت سابقا، فإن من أوجه القصور التي لازمت أداء الجامعة، منذ ميلادها في العام ١٩٤٥م، أن كلا من السوق العربية المشتركة Arab Common Market
و مجلس الدفاع العربي المشترك Arab Joint Defence Council
لم تترجما من قبل الجامعة إلى واقع حتى تاريخه. و ليس ثمة من شك في أنه لو تم تفعيل السوق العربية المشتركة و أصبحت واقعا على النحو
الذي يؤدى إلى تحقيق أهدافها المرسومة، لانتظمت الدول العربية نهضة شاملة منذ وقت باكر، و لشهدنا عالما عربيا مختلفا، يؤكد على نجاح دوله في خلق إختراقات كبيرة على الصعيد الاقتصادي. كما أنه، لو قامت الجامعة بتفعيل دور مجلس الدفاع العربي المشترك، لتم وضع حد لبؤر الصراع العربي و على رأسها الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني. و سوف ينعكس هذا الأمر، بطبيعة الحال، في حال تحققه، إيجابا على الوضع الأمني العام بالدول العربية. كما سينسحب بدوره على بؤر الصراع الحالية التي تشهدها بعض الدول العربية، و التي برزت في السنوات الأخيرة و تلك القديمة بعض الشيء مثل مشكلة لبنان، ليبيا، اليمن، الصومال، السودان و العراق، من جهة وضع حلول للأزمات المتعلقة بها، قبل أن تستفحل.
من جانب ٱخر، فإن تفعيل دور المجلس سيعمل على الحيلولة دون التدخلات الأجنبية Foreign interventions في شؤون الدول العربية، و بالتالي يعمل على صون سيادتها. و ليس أدل على التأثيرات السالبة للتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، من أن غالب الأزمات العربية لها أبعاد خارجية ظلت تعمل على تعقيدها و تحول دون التوصل لحلول لها. و مما يجدر ذكره أن مجلس الدفاع العربي المشترك يمثل، في حالة تفعيله، أداة دفاعية و أمنية فاعلة تجعل من الجامعة العربية حارسة للأمن العربي، كما يتسنى لها الإسهام في حلحلة النزاعات التي يمكن أن تحدث في البلدان العريية.
صفوة القول، أن الجامعة العربية أثبتت عمليا، خلال الثمانين سنة الماضية التي تمثل عمرها حتى تاريخه، أنها فشلت في تحقيق أهدافها، الأمر الذي كانت له انعكاسات سالبة Negative repercussions
على واقع الدول العربية. غني عن القول، أن هذا الواقع الموسوم، في الغالب، بالضعف الاقتصادي و تدني الأحوال المعيشية بل و التراجع في معدلات النمو الاقتصادي، في أغلب الدول العربية، يقف شاهدا على فشل الجامعة العربية في الإسهام في تطوير اقتصادات هذه الدول. و إذا ما استثنينا دول الخليج العربي التي طورت اقتصاداتها بقوة دفع ذاتية، نجد أن أغلب الدول مقعدة اقتصاديا، بدرجات متفاوتة، و ذلك بسبب تقاعس الجامعة عن القيام بدورها تجاهها. أما فشل الجامعة في الوضع الأمني و الدفاعي، فيشهد عليه تطاول الأزمات أو بؤر الصراع سالفة الذكر دون اجتراح حلول لها، مضافا إليها التأثيرات السالبة للحرب الأمريكية الاسرائيلية الحالية ضد إيران، من جهة استهداف إيران السافر لدول الخليج و ما نتج عن ذلك من خسائر مادية مكلفة، مع عجز الجامعة العربية عن القيام بدورها تجاه حماية دول الخليج.
و تأسيسا على كل ما سبق، فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه هو: أين الجامعة العربية حيال هذا الوضع؟. وهذا يحتم، بطبيعة الحال، البحث عنها بل و طرح مسألة بقائها من عدمه على طاولة البحث، و الذي، أي هذا الطرح، يفترض أن يتم قبل عقود مضت.

