هندسة الضجيج: كيف تُصنع التريندات لتزييف الرأي العام؟

هندسة الضجيج: كيف تُصنع التريندات لتزييف الرأي العام؟
محمد آدم عثمان
لم تعد شاشاتنا مجرد نوافذ للمعرفة، بل تحولت إلى ميدان رقمي تفاعلي أعاد صياغة موازين القوى الإعلامية، حيث لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ سلبياً، بل أصبح شريكاً أصيلاً في هندسة المشهد وصناعة الحدث.
ومع ذلك، فإن هذه الحرية الرقمية جاءت مع ضريبة باهظة؛ إذ تحول “التريند” من انعكاس عفوي لنبض الشارع إلى أداة تُدار بذكاء الخوارزميات وأجندات مُصنعة تفتقر أحياناً للعمق والقيمة، مما أوجد حالة من الضجيج الذي يطغى على الحقائق.
إننا نعيش اليوم في عصر “اللاهثين خلف الأضواء”، فبينما تتوارى القضايا الجوهرية التي تمس حياة الناس، نجد مشهداً طريفاً أو موقفاً عابراً يهيمن على المنصات بلمحة بصر.
والحقيقة المرة هي أن ما نراه “رأياً عاماً” ليس دائماً حقيقياً؛ بل هو في كثير من الأحيان ضجيج مصمّم سلفاً في غرف مغلقة، تنفخ فيه الحسابات الضخمة والجيوش الرقمية روح الحياة حتى يتوهم المتابع أنه أمام اهتمام جمعي، بينما هي في الواقع موجة مفتعلة تهدف لإيجاد حالة من الصخب المصطنع الذي لا يعكس بالضرورة وعياً أو اهتماماً حقيقياً.
ولأن التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي تحول إلى “مهنة” تدر مكاسب طائلة، فقد تبنى الكثير من المشتغلين فيها منطق “أفلام المقاولات” الهابطة، مبررين تدني المحتوى بحجة أن “الجمهور يريد ذلك”.
هذا الانحدار في اختيار القضايا هو فخ أخلاقي يساهم في تآكل الذوق العام وصرف الأبصار عن المسائل الأكثر أهمية، محولاً اهتمام المجتمع إلى قشور هامشية تتضخم ككرة ثلج حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة، متناسين أن التريند الحقيقي يجب أن يكون نبضاً صادقاً يجمع الناس حول إنجاز أو مأساة أو لحظة إنسانية تستحق التوقف.
والواقع أن المسؤولية لا تقع على عاتق صناع المحتوى وحدهم، بل على فلسفة المنصات ذاتها؛ فخوارزمياتها لا تهتم بالقيمة بل بـ “البقاء”، وهي مصممة لإبقاء المستخدم سجيناً داخلها لأطول فترة ممكنة.
وهذا يتطلب محتوى سريعاً، صاخباً، ولا يحتاج إلى مجهود ذهني، مما يجعل الفيديوهات السطحية والنكات العابرة تنتصر على المحتوى الجاد الذي يقدم رؤية نقدية أو معلومة نافعة، خاصة لدى فئة الشباب التي تمثل المحرك الأساسي لهذا الفضاء الرقمي.
لذا، فإن مواجهة هذا الزيف تتطلب ميثاقاً جديداً للمسؤولية يتبناه المؤثرون، فدورهم لا ينبغي أن يتوقف عند الترفيه أو عرض اليوميات، بل يجب أن يمتد لتحسين جودة الخطاب العام والحد من انتشار المحتوى الهابط.
إن الكلمة التي ينشرونها والمواقف التي يتخذونها تنعكس مباشرة على وعي الجمهور، مما يضع على عاتقهم أمانة استثمار حضورهم في نشر القيم الإيجابية ورفع مستوى الوعي المجتمعي كبديل عن الانجراف خلف الفقاعات الرقمية.
إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة بين “المعنى” و”الضجيج”، وكسب هذه المعركة يحتاج إلى تجديد في الأدوات وابتكار في الطرح وجودة في التقديم.
لا يكفي أن يكون المحتوى هادفاً، بل يجب أن يُقدم بأسلوب مشوق ومبسط يزاحم المحتوى الهابط في عقر داره، حتى لا نترك الحبل على قارب الخوارزميات لتقرر لنا ما يستحق أن يكون على رأس أولوياتنا، ونستعيد بذلك حقيقة الرأي العام بعيداً عن الصناعات المفتعلة.
♦محاولة لكشف أساليب (الترندات) الزائفة، عندما تقرر الخوارزميات أولوياتنا !



