Site icon صحيفة الصيحة

حين يسبق الفكرُ زمانَه: محمود محمد طه… بين سخرية الأمس واعتراف اليوم

حين يسبق الفكرُ زمانَه: محمود محمد طه… بين سخرية الأمس واعتراف اليوم

حسن عبد الرضي

في وقتٍ ما زال البعض يناهض الفكر الحر، ويكفّر من يشاء، ويدعو إلى حذف كل ما يُذكر فيه الأستاذ محمود محمد طه، وخاصة في قروبٍ يُسمّى “الرأي والرأي الآخر”، ليس غريبًا أن يُقابل الفكر الكبير في بداياته بالدهشة، ثم بالرفض، ثم بالسخرية أحيانًا؛ فهذه سُنّة الأفكار التي تتقدّم على زمانها.

ولكن الغريب – بل المؤلم – أن يأتي الاعتراف متأخرًا، بعد أن تكون الفرص قد ضاعت، والبلاد قد دفعت أثمانًا باهظة لجهلها بما كان يمكن أن ينقذها.

وأما تعليق الأخ عبدالوهاب أحمد عثمان، الذي أمضى اثنين وعشرين عامًا في الولايات المتحدة، ليس مجرد شهادة عابرة، بل هو وثيقة إدانة صامتة لعجزنا المزمن عن قراءة عقولنا الكبيرة.

حين يقول إن ما طرحه الأستاذ محمود محمد طه في خطابه إلى مدير معهد بخت الرضا يُطبَّق “حرفيًا” في المدارس الأمريكية، فهو لا يمدح أمريكا بقدر ما يكشف تقصيرنا نحن.

لقد كتب الأستاذ محمود خطابه في خمسينيات القرن الماضي، في بيئة تعليمية كانت لا تزال أسيرة التلقين، ومشدودة إلى إرثٍ استعماري لا يرى في الطالب إلا وعاءً للحفظ، ولا في المدرسة إلا مصنعًا للموظفين.

ومع ذلك، طرح رؤية تعليمية متكاملة تقوم على تحرير عقل الطالب، وربط التعليم بالحياة، وتنمية المهارات بدل تكديس المعلومات، وإعلاء قيمة العمل المهني جنبًا إلى جنب مع التعليم الأكاديمي.

هذه المبادئ، التي بدت يومها “مثالية” أو “سابقة لأوانها”، هي نفسها التي تقوم عليها اليوم أنجح النظم التعليمية في العالم.

فالتعليم الأمريكي – كما يشهد عبدالوهاب – لا يركّز على الامتحان بقدر ما يركّز على الفهم، ولا على الحفظ بقدر ما يركّز على التفكير، ولا على الشهادة بقدر ما يركّز على المهارة.

وهذا بالضبط ما دعا إليه الأستاذ محمود قبل أكثر من نصف قرن.

فما الذي حدث إذن؟

الذي حدث ببساطة هو أننا لم نأخذ أنفسنا على محمل الجد.

لم نقرأ فكارنا قراءة علمية، بل تعاملنا معه بعقلية إقصائية: إما قبول مطلق بلا فهم، أو رفض مطلق بلا دراسة.

وهكذا ضاعت بين أيدينا فرصة أن نكون روّادًا، لنصبح لاحقًا مقلّدين.

إن شهادة رجل عاش التجربة من داخلها، ورأى تطبيق تلك الأفكار في واقعٍ حي، يجب أن تُقرأ بوعيٍ مختلف.

فهي لا تقول لنا إن أمريكا عظيمة – فهذا معلوم – بل تقول لنا إن في تراثنا الفكري ما هو عظيم أيضًا، ولكننا لم نحسن استثماره.

والأدهى من ذلك أن بعضنا لا يزال حتى اليوم ينظر إلى أفكار الأستاذ محمود بعين الشك أو السخرية، بينما العالم – دون أن يعرف صاحب الفكرة – يطبّق جوهرها ويجني ثمارها.

إن القضية لم تعد مجرد إنصاف لرجلٍ مفكّر، بل أصبحت قضية مستقبل أمة.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل كان الأستاذ محمود محمد طه على صواب؟

بل: كم خسرنا لأننا لم نأخذ كلامه على محمل الجد؟

لقد آن الأوان أن نعيد فتح هذا الملف بعقلٍ علمي، لا بعقلٍ أيديولوجي؛ وأن نقرأ خطاب بخت الرضا لا بوصفه وثيقة تاريخية، بل بوصفه مشروعًا لم يكتمل.

فربما – فقط ربما – نجد فيه ما يعيننا على الخروج من هذا النفق التعليمي المظلم، الذي طال أمده، حتى حسبه الناس قدرًا، وهو في الحقيقة نتيجة مباشرة لإهمال الفكر، وتقديم الجهل عليه.

نفعنا الله بذكر من سبق زمانه… وعسى ألا نسبق نحن زماننا في إضاعة ما تبقّى لنا من فرص.

Exit mobile version