كبّاشى كان برضى.. ودّونى “ودْ بَندَة”

بدون زعل
كبّاشى كان برضى..
ودّونى “ودْ بَندَة“
عبد الحفيظ مريود
لا يكفُّ المرء من الاندهاش على اندهاش الكثيرين من تجنيب الفريق شمس الدّين كبّاشى، فى التعديلات الأخيرة، التى أحالته إلى (مساعد القائد العام لشؤون البناء والتخطيط). كيف يمكنُ أنْ يشطحَ شخصٌ ما، مهما كانت سيجارة البنقو التى تعاطاها، ويفكّر فى مستقبلٍ للكبّاشى فى الجيش، السياسة، الحياة السُّودانيّة، عموماً، فى ظلّ إعلانات صّريحة عن (هويّة مَنْ سيشكّلون المستقبل، الذين ورثوا البلاد عن آبائهم المؤسّسين، سواءً أكانوا أولئك الآباء : الأتراك، الانجليز أو دولة ما بعد الاستعمار)؟
هل كان كبّاشى يبنظرُ مكافأة؟
أم كان يعرفُ أنَّ نهايته قد أوشكتْ، بعد “تحرير الخرطوم”؟
حسناً..
ينبغى أنْ تُقرأ التعديلات الأخيرة فى سياقٍ كلّىّ. وليست معزولة.
فى السنة الأولى للحرب، كانتْ هناك مقاتل عظيمة للجيش. الجيش الأسود الغبىّ. ذاك الذى يركبونه الجرّارات إلى الخرطوم، قادماً من الفشقة، الدّمازين، كردفان، سنجة، القضارف. ليلقى مضاجعه فى شرق النّيل، فى بحرى، فى الصّالحة بأمدرمان، فى تخوم معسكر طيبة. لم يكنْ ثمّة من تغطية بالطائرات المسيّرة. كانتِ الجُثث والأشلاء تملأ الأماكن، تتحلّل، تشبعُ منها الكلاب الضّالة. شخصيّاً رأيتُ جثثاً وأشلاء ورؤوس منزوعة عن أجسادها فى بحرى، شّارع الإنقاذ، شارع السيّد علي، شارع الصّناعات (الهوا)، وغيرها. يمكنكَ أنْ تجدَ ساقاً يداً، بقايا جسدٍ عليها كاكى الجيش. فى ذاك الوقت، كان كبّاشى، عقار، منّاوىّ، جبريل، تمبور أبو قمبور، ضروريين فى المشهد.
شايف كيف؟
ما الذى تغيّرَ، إذن؟
لماذا لم يعُدْ هناك أحدٌ يستنكرُ ما جرى ويجرى لسكّان الكنابى فى الجزيرة؟ لماذا صار بعضُ رموز الجزيرة يصفون قوّات المشتركة بأنّهم “عبيد”، جهرةً، ولا يحرّكُ أحدٌ ساكناً؟ لماذا تخرج وادى حلفا ضدّ الخطّة الإسكانيّة الجديدة التى ستتضمنُ (آخرين)، (غرباء) عن المدينة؟ لماذا تخرجُ “دلقو” ضدَّ معسكرات للنّازحين من كردفان ودارفور؟ لماذا أجبر سكّان الجرّافة وبعض حارات أمدرمان، الثورة، الجيش على طرد قوّات مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة؟
هل ينفصلُ قرارُ إبعاد شمس الدّين كبّاشى عن السياق الكلّىّ؟
مساعدٌ للبناء؟
لا ينفصلُ، مطلقاً. بل هو امتدادٌ للتأريخ الطّويل، تأريخ الأسلاف، سواءً أكانوا الأتراك، الانجليز، الآباء المؤسّسين للدّولة الوطنيّة الأولى، 56.
لكنَّ أحداً لم يُجلِسْ الفريق كبّاشى، الفريق إبراهيم جابر، الفريق إبراهيم ألماظ، جبريل براهيم، طمبور، منّاوىّ، أحمد هارون، الحاج آدم، على محمود، صبير، الفريق مفضّل، السلطان سعد بحر الدّين، عبد الحميد موسى كاشا، إبراهيم محمود حامد، النّاظر تِرِكْ، الفريق شيبة ضرار، على برشٍ عريض، تحت شجرة ظليلة، ليخبرهم بأنَّ لهم موعداً لنْ يخلَفوه من الإبعاد والاستغناء. وحتّى لو فعل أحدٌ ذلك، فلنْ يفهموا.
لن يفهموا ماذا؟
لنْ يفهموا أنَّ هناك مكوّنات ركبتْ أو سارتْ راجلةً مع جيش إسماعيل باشا، وجيش الدفتردار إلى سنّار وكردفان، وكان لها الدّور الكبير فى تهديم الحكومات الوطنيّة تلك. وأنَّهم رافقوا الحكم التّركى لأكثر من 60 عاماً، عساكر، وصغار موظّفين، يقتعلون الجبايات من بنى جلدتهم، ولفرط اندغامهم فى المستعمر، ظنّوا أنّهم أتراك.
هزمتهم الثورة الوطنيّة الكبرى، المهديّة.
عادوا – كما بدأوا – مع جيش كتشنر، ليهدّموا الحكم الوطنىّ.
خدموا الانجليز لأكثر من 50 عاما، حتّى إذا ذهب الانجليز ظنّوا أنّهم حكّاماً بالفطرة، أبديين. وكلُّ أحدٍ هو محكومٌ، مهمّا ترقّى، أو برزتْ قدراتُه. لا ينبغى لأحدٍ أنْ يتطاول. نحن من نحدّدُ أدوارَ الآخرين. أو بعبارة المحامى الشهير، فى حقّ الاستاذ لقمان أحمد، مدير الهيئة السُّودانية للإذاعة والتلفزيون، فى حكومة حمدوك.
شايف كيف؟
كيف تستغرب ما آل إليه أمرُ شمس الّدين كبّاشى؟
كيف تندهشُ لمستقبل إبراهيم جابر؟ مالك عقار؟ موسى هلال؟ مفضّل؟ صبير؟
كيف تندهشُ من مستقبل إشراح، مثلاً، النّاطق السّابق باسم طمبور أبو قمبور؟



