نظام الملالي وتصدير تجارة الموت

نظام الملالي وتصدير تجارة الموت
د. التوم حاج الصافي
في زمنٍ تختلط فيه الشعارات بالحقيقة، وتسقط فيه الأقنعة تباعًا، لم يعد هناك مجال للحياد الرمادي أو الخطاب الموارب. ما يجري اليوم ليس سوء فهم سياسي، ولا مجرد خلاف عابر، بل نهجٌ واضح عنوانه: زعزعة الاستقرار وفرض النفوذ بالقوة.
إيران، التي ترفع لافتات “المقاومة”، تمارس على الأرض سياسة نقيضة تمامًا: تصدير الأزمات، تغذية الصراعات، ورعاية المليشيات العابرة للحدود. من العراق إلى اليمن، ومن الخليج إلى ما بعده، النمط واحد لا يتغير—تدخل، تسليح، فوضى. ليست هذه قراءة إعلامية، بل وقائع تراكمت عبر سنوات، دفعت ثمنها شعوب المنطقة من أمنها واستقرارها ومستقبلها.
لكن الأخطر من السلوك نفسه، هو محاولة تسويقه أخلاقيًا. هنا تكمن المشكلة الحقيقية: تحويل الفوضى إلى “مقاومة”، وتحويل التدخل إلى “نصرة”، وتحويل المليشيات إلى “حركات تحرر”. هذه ليست مجرد ازدواجية، بل عملية تضليل ممنهجة تستهدف وعي الشعوب قبل حدود الدول.
في المقابل، تقف الإمارات كنقيض كامل لهذا النموذج. دولة لم تُبنَ على شعارات، بل على أرقام وحقائق:
اقتصاد ضخم، بنية تحتية عالمية، منظومة أمن واستقرار جعلتها وجهة لملايين البشر. الإمارات لم تُصدر الفوضى يومًا، بل صدّرت نموذجًا في التنمية. لم تموّل مليشيات، بل موّلت مدارس ومستشفيات وموانئ. لم ترفع صوتها بالشعارات، بل رفعت مكانتها بالفعل.
وهنا تبرز نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون:
الاستقرار ليس صدفة… بل قرار مكلف.
الدول التي تنعم بالأمن اليوم دفعت ثمنه تخطيطًا واستثمارًا وانضباطًا. بينما الدول التي تُترك للفوضى لا تنهار فجأة، بل تُستنزف تدريجيًا عبر أدوات خارجية تغذي الانقسام وتمنع قيام الدولة.
إلى الشعوب العربية التي تراقب المشهد—خصوصًا من تتأثر بالخطاب العاطفي—هذه دعوة صريحة لإعادة قراءة الواقع:
القضية ليست من يرفع شعارًا أعلى، بل من يصنع حياة أفضل.
قارنوا بين نموذجين بوضوح:
نموذج يبني اقتصادًا، يخلق وظائف، يفتح أبوابًا للعلم والعمل، ويستثمر في المستقبل.
ونموذج يضخ السلاح، يخلق بؤر صراع، ويترك خلفه دولًا منهكة وشعوبًا مهاجرة.
أي النموذجين يخدم الإنسان العربي فعلًا؟
الأرقام هنا ليست تفصيلًا، بل حُكمًا نهائيًا:
دول الخليج تُعد من أكبر الممولين لمشاريع التنمية والمساعدات في العالم العربي.
ملايين العرب يعيشون ويعملون في بيئة آمنة ومستقرة داخل هذه الدول.
في المقابل، المناطق التي تغلغلت فيها المليشيات المدعومة خارجيًا تعاني من انهيار اقتصادي، وغياب خدمات، وهجرة جماعية.
هناك حقيقة أخرى أكثر عمقًا:
الفوضى ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة للسيطرة.
عندما تضعف الدولة، يصبح القرار بيد من يملك السلاح، لا من يملك الشرعية. وعندما يُختطف الأمن، يُختطف معه الاقتصاد والتعليم والمستقبل.
الإمارات تدرك هذه المعادلة جيدًا، ولذلك لم يكن ردها يومًا ارتجاليًا. هي تبني قوتها على توازن دقيق:
ردع يحمي، وعقلانية تمنع الانزلاق، وسيادة لا تقبل المساومة.
وهذا ما يجعلها اليوم ليست فقط دولة مستقرة، بل عنصر توازن في منطقة مضطربة.
والرسالة الأهم هنا ليست سياسية فقط، بل حضارية:
الصراع الحقيقي اليوم ليس بين دول، بل بين فكرتين:
فكرة الدولة التي تبني الإنسان وتؤمن بالمستقبل.
وفكرة الفوضى التي تعيش على الأزمات وتغتذي على الانقسام.
وفي هذا السياق، لم يعد مقبولًا تبرير الفوضى تحت أي شعار، ولا تزيين التدخل بأي غطاء. الشعوب التي عانت بدأت تدرك، والوعي يتشكل ببطء لكنه بثبات.
أما الخلاصة الحادة التي لا تحتمل التأويل:
من يراهن على الفوضى سيخسر، حتى لو ربح جولات مؤقتة.
ومن يبني بصمت، سيكسب المستقبل—even لو تأخر الاعتراف به.
التاريخ لا يكتب لمن يرفع الشعارات، بل لمن يصنع الواقع.
واليوم، الواقع يتكلم بوضوح… لمن يريد أن يرى.




