Site icon صحيفة الصيحة

بين الباسيج والبراؤون قراءة في جينات “ميليشيات العقيدة” من طهران إلى الخرطوم

بين الباسيج والبراؤون قراءة في جينات “ميليشيات العقيدة” من طهران إلى الخرطوم

محمد صالح محمد

لطالما سعت الأنظمة الأيديولوجية الراديكالية إلى صناعة “جيوش موازية” لا تدين بالولاء للدولة بمفهومها الوطني بل تدين بالولاء المطلق لـ “الفكرة” ولـ “القائد”.

وفي السودان برزت “كتائب الظل” أو ما يُعرف حالياً بـ “كتائب الكيزان” (وعلى رأسها لواء البراء بن مالك).

وفي إيران تتربع “قوات الباسيج” و”الحرس الثوري” على عرش القوة.

ورغم اختلاف الجغرافيا واللغة إلا أن المتأمل في بنية هذه التنظيمات يجد تطابقاً مذهلاً في الملامح البنيوية والمنطلقات الفكرية والوظيفة السياسية لدرجة تجعلنا نتساءل.

هل نحن أمام نسخة سودانية مستنسخة من “كتيب القواعد الإيراني”؟

التكوين العسكري الموازي: تفتيت “احتكار القوة”.

تعتمد الأنظمة الشمولية في كلا البلدين على استراتيجية “الجيش الرديف”.

في إيران أُسس الباسيج ليكون “جيش العشرين مليوناً” الذي يحمي الثورة من “أعداء الداخل” قبل الخارج.

في السودان وعلى مدى ثلاثين عاماً، استثمر نظام الحركة الإسلامية في “الدفاع الشعبي” ثم “كتائب الظل”.

وهي كيانات عسكرية منظمة خارج إطار القوات المسلحة الرسمية.

الهدف واحد منع الجيش الوطني من الانفراد بالسلطة أو الانقلاب على النظام.

العقيدة القتالية: “المقدس” في مواجهة “الوطني”.

تتسم لغة هذه الكتائب في البلدين بصبغة “ثيوقراطية” حادة.

في إيران يُقاتل “الباسيج” تحت شعارات نصرة المستضعفين و”الولاية المطلقة”.

في السودان تستخدم كتائب الكيزان مصطلحات “الجهاد” “الدفاع عن الإسلام” و”حماية الدين”.

هذا التجييش العاطفي يحول المقاتل من جندي يلتزم بقوانين الحرب الدولية إلى “فدائي” يرى في الخصم السياسي “كافراً” أو “عميلاً” يجب استئصاله.

مما يبرر الانتهاكات الحقوقية الواسعة تحت غطاء القداسة.

الاقتصاد الموازي: إمبراطوريات الظل.

لا تعتمد هذه الكتائب على ميزانية الدولة الرسمية فقط بل تمتلك أذرعاً اقتصادية أخطبوطية.

الحرس الثوري/الباسيج: يسيطر على مفاصل الاقتصاد الإيراني (اتصالات، إنشاءات، نفط).

كتائب الكيزان: ترتبط بشبكات تمويل معقدة وشركات استثمارية كانت تُعرف بـ “الواجهات”.

وهي التي تضمن استمرارية هذه المجموعات حتى بعد سقوط رأس النظام.

خطر “الميليشيا المؤدلجة” على مستقبل الدولة.

إن خطورة “كتائب الكيزان” في السودان تماماً كخطورة “أذرع إيران” تكمن في أنها تجعل الدولة رهينة لابتزاز دائم.

فهي لا تقبل بالحلول السياسية التي تهمش وجودها وتفضل خيار “الفوضى الشاملة” أو “الحرب الأهلية” على التحول الديمقراطي الحقيقي.

إن التماهي بين تجربة السودان وإيران ليس مجرد صدفة بل هو نتاج تلاقح فكري قديم بين الإسلام الحركي السني والشيعي.

حيث تُقدس “الجماعة” وتُذبح “الدولة” على قرابين البقاء في السلطة.

بالانتقال من التوصيف الهيكلي العام إلى التشريح العملياتي للدور الذي تلعبه “كتائب الكيزان” (وعلى رأسها لواء البراء بن مالك والكتائب الاستراتيجية) في حرب السودان الحالية نجد أننا أمام استراتيجية “الاحتواء المزدوج” للجيش الوطني.

وهي استراتيجية تذكرنا بدقة بكيفية تغلغل الحرس الثوري الإيراني داخل مفاصل الدولة السلالية.

فرض “الشرعية القتالية” على المؤسسة العسكرية.

في بداية الحرب قدمت هذه الكتائب نفسها كـ “مستنفرين” لدعم القوات المسلحة.

لكن التحليل العميق يكشف عن هدف أبعد:

الإحراج الأخلاقي: من خلال التواجد في الخطوط الأمامية تفرض هذه الكتائب على قيادة الجيش واقعاً سياسياً يصعب التراجع عنه.

فمن يقاتل معك في الخندق لا يمكنك استبعاده من طاولة التفاوض.

خلق “الحرس الثوري السوداني”: لواء “البراء بن مالك” لا يقاتل كفصيل مشاة عادي بل يمتلك منظومة إعلامية مستقلة، وشعارات خاصة، وقيادة ميدانية تدين بالولاء للتنظيم (الحركة الإسلامية) أكثر من قيادة الأركان.

هذا هو بالضبط “النموذج الإيراني” في خلق جسم عسكري عقائدي ينمو داخل رحم الجيش الوطني ثم يبتلعه.

استراتيجية “الفيتو” على الحل السياسي.

تعمل هذه الكتائب كـ “كابح صدمات” ضد أي تقارب بين الجيش والقوى المدنية أو حتى مع الدعم السريع في إطار تسوية سلمية.

التخوين الممنهج: أي جنرال في الجيش يلمح للتفاوض يتم استهدافه إعلامياً من قبل “غرف الكيزان” بتهمة الخيانة والبيع.

رفع سقف الحرب: تتبنى هذه الكتائب شعار “الحرب حتى القضاء التام”.

وهو شعار لا يخدم بالضرورة الأهداف العسكرية التكتيكية بقدر ما يخدم هدف “إطالة عمر الفوضى” التي تسمح للتنظيم بإعادة ترتيب صفوفه والعودة للمشهد.

“النموذج الباسيج” في السيطرة على الأحياء (المقاومة الشعبية).

تحت مسمى “المقاومة الشعبية” استنسخت كتائب الكيزان تجربة “الباسيج” الإيراني في التغلغل الاجتماعي.

التسليح المؤدلج.

يتم تسليح المدنيين بناءً على الولاء الحزبي أو القبلي الموالي للنظام القديم.

المراقبة والضبط.

تحولت هذه المجموعات في مناطق سيطرة الجيش إلى أجهزة استخبارات مجتمعية تلاحق الناشطين وعناصر لجان المقاومة بتهمة “التعاون مع التمرد”.

وهو نفس الدور الذي لعبه الباسيج في قمع احتجاجات “الحركة الخضراء” في إيران.

التهديد الوجودي للجيش السوداني (ما بعد الحرب).

هنا تكمن المفارقة الخطيرة؛ فالجيش السوداني الآن يجد نفسه في “عناق قاتل” مع هذه الكتائب.

الاعتماد المتبادل: الجيش يحتاج للمقاتلين العقائديين لسد النقص في المشاة.

فقدان الهوية: بمرور الوقت تذوب الهوية المهنية للجيش لصالح الهوية العقائدية.

مما يجعل عملية الإصلاح الأمني والعسكري مستقبلاً “مهمة مستحيلة” دون اصطدام دموي بين الجيش وهذه الكتائب.

هل يبتلع “البراؤون” القوات المسلحة؟

التجربة الإيرانية انتهت بسيطرة الحرس الثوري على الدولة وتحويل الجيش النظامي إلى قوة ثانوية.

في السودان تسير “كتائب الكيزان” في نفس المسار.

فهي لا تريد الانتصار في الحرب فحسب بل تريد إعادة صياغة مؤسسة الجيش لتصبح “جيشاً رسالياً” يحمي التنظيم لا الدستور.

إذا انتهت الحرب بانتصار عسكري للجيش في ظل وجود هذه الكتائب فإن السودان لن يعود لدولة المؤسسات.

بل سينتقل إلى نموذج “الدولة الثيوقراطية العسكرية” التي تسيطر فيها الميليشيا العقائدية على القرار السيادي.

Exit mobile version