عندما يسقط القناع: ماذا يعني تصنيف الإخوان المسلمين فرع السودان تنظيماً إرهابياً؟

عندما يسقط القناع: ماذا يعني تصنيف الإخوان المسلمين فرع السودان تنظيماً إرهابياً؟

الصادق حمدين

إن تصنيف أي تنظيم سياسي أو أيديولوجي على أنه تنظيم إرهابي ليس مجرد توصيف إعلامي أو حكم سياسي عابر، بل هو قرار يحمل تبعات قانونية وأمنية عميقة تمس وجود التنظيم وأفراده على حد سواء.

وعندما يتم تصنيف الإخوان المسلمين السودانيين تنظيماً إرهابياً، فإن المسألة لا تتعلق فقط بإدانة فكر أو مسار سياسي، بل بإسقاط منظومة كاملة من الامتيازات والضمانات التي يتمتع بها المواطن العادي داخل الدولة وخارجها.

فالفرد العادي يتمتع بما يمكن وصفه بـ”الحصانة الإنسانية المدنية”؛ وهي جملة الحقوق الطبيعية والقانونية التي تكفل له حرية الحركة والتنقل، وحرية التعبير، وحق التملك، وإنشاء الأعمال التجارية، والتعامل مع المؤسسات المالية والمصرفية دون قيود استثنائية. هذه الحقوق تشكل الأساس الذي تقوم عليه فكرة المواطنة الحديثة.

لكن عندما يتم إدراج تنظيم ما على قوائم الإرهاب، فإن هذه الحصانة تتآكل بصورة فورية. فالأفراد المرتبطون بذلك التنظيم يصبحون خاضعين لنظام قانوني استثنائي، حيث يمكن تقييد تحركاتهم، ومراقبة اتصالاتهم، وتجميد أموالهم، وإغلاق شركاتهم أو منعهم من تأسيس نشاطات اقتصادية جديدة. كما يصبح التعامل المصرفي معهم محاطاً بشبهات قانونية تجعل البنوك والمؤسسات المالية تتجنب أي علاقة معهم خوفاً من المساءلة.

الأمر لا يقف عند الجانب الاقتصادي أو المالي. فالتصنيف الإرهابي يعني أيضاً حرمان التنظيم وأفراده من ممارسة العمل السياسي الطبيعي. فلا يحق لهم تأسيس أحزاب، ولا المشاركة في الانتخابات، ولا العمل في المجال العام بوصفهم قوة سياسية شرعية. وهنا تصطدم العبارة الخادعة “حوار سوداني – سوداني لا يستثني أحد” بجدار الواقع والحقيقة. وبهذا يتحول التنظيم من فاعل سياسي – مهما كان مثيراً للجدل – إلى كيان مطارد قانونياً وأمنياً.

أما على المستوى الدولي، فإن تداعيات التصنيف تتجاوز حدود الدولة. فالدول التي يقيم فيها أعضاء التنظيم أو التي لجأوا إليها قد تفرض قيوداً على إقامتهم، أو تحاصر نشاطهم، أو حتى تتخذ إجراءات قانونية بحقهم استناداً إلى التعاون الدولي في قضايا مكافحة الإرهاب. وبذلك يصبح وجودهم الخارجي أيضاً موضع شك ومراقبة، وتتحول حركتهم عبر الحدود إلى ملف أمني لا إلى نشاط سياسي.

في حالتنا السودانية تحديداً حيث تماهت الدولة مع التنظيم، فإن النقاش حول تصنيف الإخوان المسلمين لا ينفصل عن تاريخ طويل من الصراع السياسي، وتداخل السلطة بالدعوة والتنظيم. فقد ظل هذا التنظيم لعقود لاعباً مركزياً في الدولة، لا من موقع المنافسة السياسية الطبيعية، بل من موقع الهيمنة على مؤسسات الحكم والأمن والاقتصاد، الأمر الذي جعل حدود الدولة والتنظيم تتداخل بصورة غير مسبوقة.

ولهذا فإن أي قرار من هذا النوع لن يكون مجرد إجراء قانوني تقني، بل خطوة سياسية كبرى تعيد رسم حدود المشهد السياسي السوداني، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن فصل الدولة عن التنظيمات الأيديولوجية التي هيمنت على مفاصلها لعقود؟.

إن تصنيف الإخوان المسلمين السودانيين تنظيماً إرهابياً لن يعني فقط إدانة تنظيم بعينه، بل إعلان نهاية مرحلة كاملة من التاريخ السياسي السوداني، وبداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة مفهوم الشرعية السياسية وحدود العمل العام في السودان.

وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة، لا يكون السؤال الحقيقي هو ما الذي سيحدث للتنظيم الكيزاني وحده، بل ما الذي سيحدث للدولة والمجتمع بعد أن يسقط أحد أكثر الفاعلين السياسيين إثارة للجدل من معادلة السلطة التي تشبث بها طويلاً، وما زال بعض أجنحته مستعداً لدفع البلاد إلى مزيد من العنف والفوضى في سبيل المحافظة على ما تبقى من نفوذ.

غير أن اللافت في سلوك هذا التنظيم، كلما واجه لحظة مساءلة أو قراراً لا يوافق أهواءه، أنه يلجأ إلى أسلوب بات معروفاً في أدبياته السياسية: سياسة التجاهل أو الاستخفاف. جرت عادة الكيزان، كلما حدث حادث لا يوافق أهواءهم، أن ينتهجوا سياسة التجاهل التام؛ فيُغيبونه عمداً عن منابرهم الإعلامية، أو يلجؤون إلى الاستخفاف به والتقليل من شأنه عبر عبارات السخرية والتبسيط من قبيل القول إن هذا القرار لا معنى له: “هذا القرار يبلّو ويشربو مويتو”.

غير أن الأمر هذه المرة ليس كسابقاته؛ فمثل هذا القرار لا يحتمل التهوين ولا يصلح معه أسلوب الاستهزاء. فالتصنيف الإرهابي ليس بياناً سياسياً يمكن تجاهله، ولا خبراً إعلامياً عابراً يمكن التقليل من أهميته، بل توصيف قانوني ثقيل يترتب عليه حصار سياسي واقتصادي وقانوني طويل الأمد.

كان الأجدر بهذا التنظيم أن يتعامل مع مثل هذا التطور بقدر من الجدية والاعتراف بالمسؤولية، لا بلغة المكابرة والإنكار. فالتاريخ السياسي لا يُمحى بالسخرية، والوقائع لا تُلغى بالخطاب الدعائي. وكما يقول المثل السوداني: “الصقر كن وقع كتر البتابت عيب”.

والحقيقة أن هذا القرار ليس تجنياً على التنظيم أو استهدافاً مفتعلاً له، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الممارسات السياسية والأمنية التي جعلت اسمه يقترن في الوعي المحلي والدولي بالانقلاب على الديمقراطية، وتسييس مؤسسات الدولة، وتوظيف العنف المفرط والقوة القاتلة من أجل البقاء في السلطة.

فالتنظيم الذي يخلط بين الدعوة والسلطة، ويحوّل الدولة إلى أداة لخدمة مشروعه الأيديولوجي، لا يستطيع في النهاية أن يطالب بالحماية التي توفرها الدولة القانونية نفسها. ومن يختار طريق الهيمنة والإقصاء والعنف السياسي لا يمكنه أن يتوقع أن يُعامل كحزب مدني طبيعي عندما تبدأ لحظة الحساب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com