مرحبًا بالإرهاب!

مرحبًا بالإرهاب!

د. التوم حاج الصافي زين العابدين .نيويورك

قد يبدو العنوان صادمًا، بل مستفزًا، لكن السخرية أحيانًا هي اللغة الوحيدة القادرة على وصف واقعٍ بلغ حدّ العبث. فبعد أن أعلنت الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابية، قد يظن البعض أن على السودانيين أن يغضبوا أو يحتجوا. لكن الحقيقة الساخرة تقول العكس: ربما على السودانيين أن يفرحوا.

نعم، أن يفرحوا. فالوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من التجارب الفاشلة، ولا عقول الناس تحتمل مزيدًا من الشفرات التي تركها التنظيم الإسلاموي في رؤوسهم وأعصابهم. ثلاثون عامًا من العبث كافية لأن يفهم السودانيون أن الأيديولوجيا حين تتحول إلى سلطة مطلقة، تتحول معها الدولة إلى مختبر، والشعب إلى مادة للتجربة.

من أراد حياة العزلة والانغلاق والاستعداد الدائم للمعارك الوهمية، ومن وجد متعته في تصفية الحسابات السياسية والفساد المقنّع بالشعارات، فليغضب من هذا التصنيف. أما من يريد أن يرى بلده – وهو معافى – يعيش في سلام داخلي وخارجي، تسوده قيم الخير والفضيلة والحرية والعدالة، فليفرح. فالتصنيف هنا ليس عقوبة لشعب، بل إشارة إلى أن العالم بدأ يرى ما رآه السودانيون منذ زمن طويل.

واقع الحال في السودان يقول إن الحركة الإسلامية منذ أن أسكتت السياسة بالسلاح، واتخذت القوة أول أدوات السيطرة على مفاصل حياة السودانيين، فتحت بابًا لم يُغلق حتى اليوم. منذ تلك اللحظة هبط على السودان ظل ثقيل من القتل والتعذيب والتخويف. شعبٌ لم يعرف السلاح في تاريخه الطويل إلا دفاعًا عن الأرض، وجد نفسه فجأة يعيش تحت سطوة تنظيم يرى في القوة طريقًا للحكم وفي الخوف وسيلة للبقاء.

ومن مفارقات القدر أن يأتي الضغط هذه المرة من خارج الحدود. فحين يعجز الداخل عن ردع تنظيمٍ يملك أدوات الدولة، يصبح تسليط من هم أقوى منه عليه شكلًا من أشكال العدالة. وكأن القدر يقول إن الظالم قد يُقتص منه أحيانًا بسيفٍ لم يتوقعه.

ونسأل الله أن يقتص للسودانيين البسطاء من ظلمٍ طالهم سنوات طويلة، وأن يأتي القصاص عاجلًا غير آجل لكل من اعتدى أو ظلم أو استباح هذا البلد باسم الدين أو السياسة.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن السودان وشعبه بريئون من الإرهاب براءة كبيرة. فالسودانيون في أصلهم دعاة سلم وسلام، عاشوا تاريخهم الطويل بلا نزعات توسع ولا مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود. لكن المشكلة كانت دائمًا في تنظيمٍ ارتدى عباءة الدين ليخفي مشروعًا سياسيًا مغلقًا. من تلك العباءة خرجت كثير من مظاهر الغلو والتطرف، ومن داخلها خرجت أسماء سودانية ارتبطت بخرائط الإرهاب في العالم.

لذلك فإن الشعب السوداني بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب. هذه ليست مبالغة بل حقيقة تاريخية: فالسودان في طبيعته بلد معتدل، وما حدث فيه كان استثناءً صنعته جماعة، لا ثقافة شعب.

ومن أراد أن يقتص وهو قادر فليفعل، فشعب السودان لن يقف يومًا مدافعًا عن إرهابي أو مجرم. لقد دفع هذا الشعب ثمنًا باهظًا من أمنه واقتصاده وسمعته الدولية، ولا يمكن أن يقبل أن يدفع الثمن مرة أخرى من أجل تنظيمٍ لفظه الداخل قبل أن يلفظه الخارج.

أما العودة الأخيرة لبعض رموز هذا التيار إلى دوائر السلطة تحت مظلة الحرب وبمباركة السلطة العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان، فهي أخطر ما في المشهد كله. لأن السودان لا يحتمل تجربة ثانية من نفس المشروع الذي أوصله إلى هذا المصير. ولا يجوز أن يؤخذ الشعب السوداني رهينة مرة أخرى لصراعات تنظيم فقد شرعيته في الداخل والخارج معًا.

وهنا ينبغي على واشنطن أن تدرك حقيقة أساسية: أن السودان ليس الحركة الإسلامية، وأن مصير بلدٍ كامل لا ينبغي أن يوضع في كف عفريت بسبب فئةٍ منبوذة داخليًا وخارجيًا. فالشعب السوداني، رغم كل ما مر به، ما زال قادرًا على استعادة دولته إذا تُرك بعيدًا عن قبضة التنظيمات الأيديولوجية التي اختطفتها طويلًا.

اليوم يقف السودان أمام مفترق طرق واضح: إما أن يطوي صفحة التنظيمات التي حكمته بالسلاح والشعار، أو يظل أسير الدائرة نفسها التي استنزفت عمره وموارده. فالدول لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الحروب، بل تنهار عندما تتحول السلطة إلى عقيدة، وعندما يظن تنظيم ما أنه أكبر من الوطن نفسه. والسودان، بكل بساطة، أكبر من أي تنظيم… وأبقى من أي أيديولوجيا.

وعلى واشنطن ان تحسن الذبح الحلال بعيدا عن الأبرياء من السودانيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com