تلافي !!
صباح محمد الحسن
طيف أول:
البحر لا يغرق في ذاته، بل يبحر بأحلام المثقلين نحو الضفاف.
ولا تزال دائرة الظن مغلقة على خطاب الفريق عبد الفتاح البرهان للكتائب الإسلامية، أنه سيختلف عمّا سبقه من خطابات بسبب الضغوط الإقليمية
وذكرنا هنا، تعليقًا على تحذيره للإسلاميين، أن الجنرال ربما يختار هذه المرة مواجهة هذه الكتائب بجدية، ليس لأجل المؤسسة العسكرية ولا لسلامة الوطن وأمنه، ولكن لخاطر عيون الدول الإقليمية التي ترى أن الخطاب المتطرف كارثي عليها قبل أن يكون خطرًا على السودان.
لذلك تحاول المؤسسة العسكرية احتواء هذا الخطاب ودفنه، إمّا بالحديث عن إلقاء القبض على الناجي، أو بالحديث عن دمج القوات المساندة. ولماذا القبض على الناجي ليبقى تحت إشراف ورعاية العطا، لأن رضا الخارج غاية يسعى لها البرهان أكثر من الداخل.
مما يؤكد إنه احتواء واضح لتفادي أزمة التصريحات والخوف من تحوّل هذه الجماعات والكتائب إلى قوى مستقلة مرتبطة بمحاور خارجية (مثل إيران). وبالرغم من أن قيادة البراء، في رد مباشر على تصريحات البرهان الذي وعدها بأن “تفتح عينها أو يغمدها لها”، قالت إنها ستأتمر بأمر القيادة العسكرية، إلا أن هذا لن يغسل الواجهة الزجاجية التي لطختها التصريحات المتطرفة. فالمجتمع الدولي التقط هذه الأفكار سريعًا، وانتبه إلى أن ثمة وجودًا إرهابيًا في السودان، وأن التعامل معه مسألة وقت، طالما أن هذه الدول منهمكة الآن في أهدافها الرئيسية.
وتدرك القوات المسلحة أنها تعيش الآن مخاوف مركّبة، فوجود الإخوان وتصريحاتهم يفتح عليها طاقة إقليمية فوق الطاقة الدولية، لذلك ظلت المؤسسة تتلافى هذه الورطة.
فتصريحات الفريق ياسر العطا أمس، بأن الدمج سيشمل كل القوات المساندة التي قاتلت مع القوات المسلحة في حرب الكرامة بلا استثناء: القوات المشتركة، درع السودان، كتائب البراء، وكتائب الثوار والمقاومة الشعبية، مؤكدًا أن عملية الدمج سيتم تفعيل آلياتها قريبًا وستكون فورية دون انتظار تحديد أي توقيتات أخرى،
هو تصريح إن لم يُرَد منه إرسال رسالة سياسية بأن الجيش مستعد للتماشي مع المسار الدولي للحل، أو على الأقل إبداء حسن النية بالانضباط والوحدة أمام المجتمع الدولي لتخفيف الضغط، وإقناع الوسطاء بأن الجيش لا يمانع في إعادة الهيكلة، فالدمج السريع يوحي بأن هناك استعدادًا لتطبيق أهم بند رئيسي من بنود الخطة الدولية (إصلاح القطاع الأمني).
وأنه يسير في اتجاه “توحيد القوات” تحت مظلة واحدة، ما يعني أن القيادة العسكرية توظّف خطاب الدمج لامتصاص غضب المجتمع الدولي حتى لا يتعامل معها بردّة الفعل.
لكن إن لم يكن هذا هو القصد، فإن الحديث عن الدمج خارج رحم الحل الدولي ما هو إلا خطوة تتناقض مع الخطة الدولية، سيما أن إدماج هذه الكتائب قد يُفسَّر كإعادة تمكين الإسلاميين داخل الجيش من منظور المجتمع الدولي، ومحاولة لتغذية المؤسسة العسكرية بدماء الاسلاميين الجديدة بدلًا من إبعادهم، وهو ما يضعف الثقة في الالتزام بالحل الدولي الذي يقوم تركيزه الأساسي على تنقية المؤسسة العسكرية والأمنية من نفوذ الإسلاميين المرتبطين بالنظام المخلوع.
وهو مايخلق هذا صدامًا محتملًا بين أجندة الجيش الداخلية وأجندة المجتمع الدولي الخارجية، لأنها قد تعتبره محاولة لإضعاف فرص التسوية السياسية وتهديدًا مباشرًا لمشروع الدولة المدنية. كما يعقّد الموقف الإقليمي، لأن دعم بعض الكتائب لإيران يجعل الدمج محل شك، وقد يفتح الباب أمام ضغوط أمريكية وخليجية في المستقبل القريب.

