كرامة الكيزان في بلاد السودان (2-3)

كرامة الكيزان في بلاد السودان (2-3)
محمد الحسن أحمد
تناولنا في المقال السابق مكونات “حرب كرامة الكيزان”، وما يجمع بينها جميعاً من انتهازية ولصوصية وتجارة بالدين، وكيف أن ديناميكية الحرب العبثية التي تهدد وجود الدولة السودانية تجري سلاسل دمائها لتصب في محيط عودة “الأبالسة” من الإسلاميين إلى السلطة، وإن تشظت البلاد؛ لتبقى مكونات حرب الكرامة مجرد “كلاب صيد” يسهل التخلص منها في خاتمة المطاف.
وقفت الحركات المسلحة الدارفورية على خط الحياد كثيراً في الأشهر الأولى من الحرب، حتى خرج قائد كبير في مليشيا الحركة الإسلامية العسكرية (أو الجيش) في تصريح شهير بمنطقة أم درمان العسكرية، ناعتاً قادة الحركات بـ”التشاديين” نافياً عنهم صلتهم بالسودان؛ وهي تهمة تلتصق بهم حال حاربوا تلك الحركات، وتنتفي عنهم حال تقاربوا وخدموا أجندة الحركة الإسلامية. إذاً، فالتهمة أو الشتيمة حاضرة على طرف اللسان حال اندلاع حرب قادمة مع الحركات الدارفورية، ومن المؤكد أن ثمة حروباً قادمة حال استمرار سيطرة “الكيزان” على الجيش واستدامة الحرب.
تغير موقف الحركات المسلحة من الحياد إلى الوقوف مع الجيش مع تدفق “دولارات” الاتفاق المفضي إلى ذلك. ورغم ذلك، ظلت حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي هدفاً لغرف الإسلامويين وعناصر الاستخبارات، لدرجة شق الحركة؛ فيما بقيت حركة العدل والمساواة بقيادة “الإسلاموي” جبريل إبراهيم معصومة من النقد رغم تكاثر الفساد في الأجهزة التي بيد مسؤولي الحركة، وعلى رأسهم قائدها ووزير المالية. وما بين الحركتين، سارع مصطفى تمبور في تكوين وتطوير مليشيا جديدة في مسارح شرق السودان للمرة الأولى في تاريخ المليشيات.
انحنى مناوي لعاصفة الكيزان وعاد أكثر شراهة في طلب السلطة والمال والذهب، فتمسك بوزارة المعادن وجعلها رهينة بيد “نور الدايم طه” رغم أنف الفحص الأمني، وسارع بإطلاق عناصره المسلحة في التعدين الأهلي، تسندهم سلطة فاسدة وبندقية غاشمة.
أما المليشاوي الآخر جبريل إبراهيم، الذي يحظى بسند ودعم الحركة الإسلاموية الإرهابية، فمن الواضح أنه وضع عينه على “مشروع الجزيرة” العملاق، وأعمل سلطاته كوزير مالية وبندقيته في التلاعب بقوانين المشروع، ومن قبلها تجنيد الآلاف من سكان الإقليم. وما بين هنا وهناك، فلا بأس من نهب وسلب “المعدن الأصفر”، ناهيك عن أعمال الجمارك والتجارة؛ فالبلاد أضحت مسرحاً للسابلة من اللصوص والقتلة، يديره كبار المجرمين وتجار الدين.
تُعرّف “الكرامة” (بفتح الكاف والراء) بأنها بهيمة يُهرق دمها ويُوزع لحمها طلباً لشيء مقصود أو درءاً لبلاء وشيك. ومن هنا يظهر التطابق ما بين الاسم والمعنى في “حرب كرامة الكيزان”، الذين أهرقوا دم السودان طلباً للسلطة ودرءاً للقوى المدنية.




