تزايد وفيات السودانيين جراء التعذيب في السجون المصرية

يواجه السودانيين في مصر، صنوف من العذاب والقتل داخل السجون المصرية، وسط تكتم شديد من السلطات المصرية.

وتوفي أمس الخميس، الطفل السوداني النذير الصادق داخل محبسه بقسم شرطة بدر في القاهرة، بعد 25 يوما من اعتقاله تعسفياً، جراء التعذيب المستمر ما أدى إلى تدهور حالته الصحية وتعرضه لنوبة سكر حادة انتهت بوفاته.

واعتقلت السلطات المصرية النذير أثناء خروجه من المنزل لشراء الخبز من المخبز القريب، واقتيد إلى قسم الشرطة رغم إبراز مستندات تثبت وضعه القانوني وحالته الصحية، وخلال فترة احتجازه قدمت أسرته تقارير تثبت إصابته بأمراض مزمنة خطيرة، منها السكري وقصور وظائف الكلى.

والأسبوع الماضي، قتل مسن سوداني يدعى مبارك قمر الدين بعد احتجازه في ظروف قاسية داخل السجون المصرية “قسم شرطة منطقة الشروق”.

وتوالت حوادث قتل السودانيين داخل السجون المصرية، وسط صمت رسمي من السفارة السودانية وسلطة الأمر الواقع ببورتسودان حول أوضاع السودانيين في مصر.

واتسمت الحملات الأمنية للسلطات المصرية على السودانيين، بطابع عشوائي تجاوز مسألة “توفيق الأوضاع القانونية”، حيث تتحدث شهادات مروعة قادمة من ذوي المعتقلين عن تجاوزات خطيرة تضرب عرض الحائط بالمواثيق الدولية لحقوق اللاجئين.

وتؤكد الوقائع أن حمل “الإقامة” الرسمية لم يعد صك براءة من الاعتقال، حيث يتم توقيف العديد ممن يحملون إقامات سارية، ويُجبرون في كثير من الأحيان على دفع غرامات مالية باهظة للخروج، في مشهد يثير تساؤلات حول الهدف من هذه الحملات.

ويُتداول عن تعامل بعض العناصر الأمنية مع “كارت المفوضية” (الكرت الأصفر أو الأزرق). بدلاً من أن يكون هذا الكرت وثيقة حماية دولية لحامله، أفاد شهود عيان بأنه يتم تجاهله تماماً، وفي حالات صادمة يتم تمزيقه أمام صاحب الكرت، ليصبح اللاجئ فجأة بلا هوية وبلا حماية، ومعرضاً للترحيل القسري.

كما لم تراعِ حملات الاحتجاز الحالية أي اعتبارات إنسانية للفئات الأكثر ضعفاً، السجون ومراكز الاحتجاز، التي تعاني أصلاً من مشكلات في البنية التحتية، أصبحت تكتظ بضحايا الحرب السودانية:

الأطفال مكانهم الطبيعي مقاعد الدراسة أو اللعب في الحدائق، يجدون أنفسهم محشورين في زنازين ضيقة، ينامون على الأرض، ويفتقدون لأبسط حقوق الطفولة والغذاء المناسب.

النساء والأمهات والفتيات تعرضن لترويع نفسي شديد، يتم احتجازهن في ظروف لا تحفظ الكرامة ولا الخصوصية، مما يضاعف من الصدمة النفسية التي حملنها معهن من الحرب.

المرضى وكبار السن فهناك أعداد كبيرة من أصحاب الأمراض المزمنة (السكري، الضغط، القلب) ممن يحتاجون لرعاية طبية دورية وأدوية لا تتوفر داخل مقار الاحتجاز، وتكدس المرضى في أماكن سيئة التهوية ودون رعاية صحية هو حكم بطيء بالموت.

ويقول سودانيون في مصر لـ (الصيحة) إن ما يحدث داخل هذه المقار يتجاوز مجرد “إجراءات تنظيمية” لضبط الوجود الأجنبي، وإن تكدس أعداد مهولة في مساحات ضيقة، وانعدام النظافة، وشح الطعام، وغياب الرعاية الطبية، يحول هذه الأماكن إلى بؤر للأوبئة والأمراض، ويزيد من احتمالية حدوث وفيات بين المحتجزين.

ويؤكدون أن ما يحدث من السلطات المصرية تجاه السودنيين هناك، يواجهه صمت مريب من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) التي يقع على عاتقها حماية هؤلاء الأشخاص، خاصة حاملي بطاقاتها.

توطوء الإخوان

وتشير الوقائع إلى تواطوء السفارة السودانية بالقاهرة وسلطة الأمر الواقع ببورتسودان، مع السلطات المصرية لترحيل السودانيين إلى بلادهم.

وفضحت الصحفية المصرية المقربة من النظام المصري، د. أماني الطويل، طلب “بورتسودان” من السلطات المصرية طرد السودانيين للمشاركة في القتال ضد قوات الدعم السريع.

حملات الاستنفار

وكشفت  الطويل، عن وجود ما وصفته بطلبٍ سوداني موجّه إلى الحكومة المصرية لتضييق المساحات المتاحة للسودانيين المقيمين في مصر، عبر حملات القبض والترحيل، محذّرة من أن الاستجابة لمثل هذه الطلبات قد تُكبّد مصر أثمانًا سياسية وإنسانية باهظة، وتؤثر سلبًا على صورتها الإيجابية لدى السودانيين.

وقالت الطويل في مقال عبر صفحتها في الفيس بوك إن هناك أطرافًا وأقلامًا ولجانًا إلكترونية، بعضها تابع لأطراف ثالثة، تعمل بشكل سلبي على تضخيم الأداء الأمني المصري، حتى في الحالات التي تكون فيها الإجراءات ذات دوافع قانونية، بهدف نهائي يتمثل في تشويه صورة مصر الإنسانية التي ترسخت في الوعي الجمعي السوداني عقب اندلاع الحرب.

ودعت وزير الداخلية المصري بضرورة وضع اهتمام خاص وإشراف دقيق على أقسام الشرطة في مناطق التكدس السكاني للسودانيين، لا سيما حدائق الأهرام ودهشور وفيصل، بما يضمن إنفاذ القانون دون مساس بالبعد الإنساني أو الإضرار بالعلاقات الأخوية بين الشعبين.

وأوضحت أن الأمن الإنساني في حدوده الدنيا لا يزال غير متوفر في السودان، خاصة في العاصمة الخرطوم، استنادًا إلى شهادات موثوقة، مشيرة إلى وقوع حالات وفاة وسط رجال أعمال من الشريحة المتوسطة عادوا مؤخرًا لمباشرة أعمالهم، ما يعكس هشاشة الأوضاع الأمنية والمعيشية، ويجعل العودة الواسعة للسودانيين أمرًا بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.

مسؤولية مصر

وأكدت الطويل أن تكلفة الاستجابة لأي طلب سوداني بتشديد الإجراءات على اللاجئين السودانيين ستتحملها مصر والمصريون، من خلال الإضرار بالصورة الإنسانية للبلاد، وتهديد المصالح المشتركة والعلاقات التاريخية الممتدة بين الشعبين، معتبرة أن مصر باتت في “النصف الميل الأخير” من استضافة الأشقاء السودانيين، ولا مبرر لخسارة الأثر الإيجابي المتحقق على الأرض، أو إتاحة الفرصة لقوى وميليشيات ودول تتربص بمصر والسودان على حد سواء.

وشددت على ضرورة أن تركز الجهود المصرية في هذه المرحلة على مساعدة السودان في تحسين شروط الأمن الإنساني، لا سيما في الخرطوم، بما يتيح تحريك عجلة الاقتصاد السوداني، ويخفف من حدة الغلاء المعيشي الذي يجعل العودة الطوعية غير ممكنة حاليًا.

خطوة تأسيس

وفور تصاعد شكاوى السودانيين في مصر من الحملات الأمنية العنيفة، رفع تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) شكوى عاجلة للأمم المتحدة بشأن السودانيين في مصر.

وقدّم التحالف شكوى عاجلة إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة، بشأن ما وصفه بحملة اعتقالات وترحيل يتعرض لها السودانيون في مصر، مؤكداً أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية.

تقارير موثقة

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف علاء نقد، إنهم تلقوا تقارير موثوقة مدعومة بشهادات وأدلة، تفيد بتعرض رجال ونساء سودانيين لاعتقالات تعسفية مباشرة من الشوارع والأماكن العامة، دون إخطار مسبق أو أساس قانوني.

وأوضح أن السلطات المصرية استخدمت القوة المفرطة في العديد من الحالات، بما في ذلك الاعتداء الجسدي، مع حرمان المحتجزين من حقهم في التواصل مع ذويهم أو الحصول على المساعدة القانونية.

أكد التحالف أن الاعتقالات ليست حوادث فردية، بل نمطاً متكرراً ومنهجياً، حيث يتم نقل المحتجزين إلى مراكز احتجاز في ظروف قاسية ومهينة، ويُمنعون من اصطحاب متعلقاتهم الأساسية. وأشار إلى أن بعض المحتجزين نُقلوا في مركبات مخصصة عادةً لنقل المواشي، في ممارسة وصفها بأنها إهانة جسيمة للكرامة الإنسانية.

العودة القسرية

وأفادت التقارير بأن عدداً من المحتجزين حُرموا من حقهم في تقديم طلبات اللجوء أو تقييم احتياجاتهم من الحماية الدولية، وتم ترحيلهم أو الضغط عليهم للقبول بما يسمى “العودة الطوعية”، رغم غياب أي ضمانات للسلامة أو موافقة حرة ومستنيرة.

وحذّر التحالف من أن إعادة السودانيين قسراً إلى بلدهم في ظل النزاع المسلح وانهيار آليات حماية المدنيين، تعرضهم لمخاطر حقيقية وفورية على حياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية. واعتبر أن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وقد تشكل حالات اختفاء قسري مؤقتة.

وأشار التحالف إلى وجود تقارير تفيد بأن هذه الإجراءات تتم في إطار تفاهمات بين السلطات المصرية وقيادات عليا في القوات المسلحة السودانية، مدعومة بتصريحات علنية من قادة بارزين مثل عبد الفتاح البرهان وياسر العطا، إضافة إلى حملات إعلامية وصفها بالتحريضية.

وطالب تحالف “تأسيس” المفوضية السامية لشؤون اللاجئين باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذه الممارسات، وفتح تحقيق جاد في الانتهاكات المبلغ عنها، والتواصل مع السلطات المصرية لضمان امتثالها لالتزاماتها الدولية، مؤكداً أن السودان لا يمكن اعتباره بلداً آمناً للعودة في ظل الظروف الراهنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى