جيش المعردين

جيش المعردين

د. التوم حاج الصافي

إن أقبح ما جاءت به هذه الحرب للكيزانية اللعينة لم يكن فقط الصورة الواضحة لقتل وإذلال وإهانة الشعب السوداني المغلوب على أمره، تلك الحرب التي فرضتها عليه الحركة الإسلامية فرضاً.

بل إن أقبح صورة على الإطلاق هي صورة هروب السياسيين، خاصة أنشودة معركة الندامة:

قحاطة يا كوم الرماد فزيتو من يوم الثبات.

وهي أنشودة ظل يرددها حملة السلاح من المليشيات، ومن خلفهم الببغاء المسمى الجيش. وليس هذا دفاعًا عن القحاطة، ولن ندافع عنهم لسبب واحد واضح: نحن ديسمبر.

وأكثر ما أوجعنا هو تهاونهم حينها في تنزيل مقررات ديسمبر المجيدة، تلك الثورة التي كانت من أكثر الثورات وجعًا لكيزان الغفلة.

وذلك مقرون بإقرارنا بحقيقة التربص الدائم من العساكر، والذي كان يتم بإيعاز كيزاني مباشر.

والشاهد، فوق كل ذلك، أن خروج المدنيين من ساحة المعارك أمر محمود وضروري لحفظ الأرواح، بحكم أن المدني لا علاقة له بمجريات صراع نشب فوق رأسه فجأة ودون أي إرادة منه.

لكن المصيبة الكبرى ليست في خروج المدنيين، بل في التولي يوم الزحف من قبل العساكر أنفسهم.

وقبلهم لم يظل كوز واحد من السياسيين في الخرطوم؛ فجميعهم، سوى أنس عمر، هربوا هروبًا كبيرًا.

وبالعودة إلى المعردين من العساكر، فأنا بحكم بعدي عن البلاد لسنوات لم أكن شاهدًا مباشرًا، لكن لدي عشرات العوائل والأسر من أقاربي في أم درمان القديمة والخرطوم المدينة.

بعضهم نزح إلى الجزيرة بحكم أنها الأقرب جغرافيًا، والأكثر ترحابًا بمن يعرفون ولا يعرفون.

هؤلاء جميعًا، ومن خلال الاتصال المباشر معهم، وبلا مقدمات، كانوا يبادرونني بخبر الخيبة:

العساكر هربوا وخلّونا.

العساكر طلعوا الكاكي وجروا قدّامنا.

وزاد عليهم الحنق حينما كرر نفس العساكر مشهد الخيبة في الجزيرة، تلك التي باع الجيش حرائرها بثمن بخس، فعلًا مقصودًا وشيئًا في نفس أمير الهاربين من القيادة.

ومشهد السفجنة معروف للقاصي والداني، وكان برهان الشؤم والخراب المثال الأبرز للهروب، لا للصمود ولا للقيادة.

نعود اليوم إلى البجاحةٍ الجديدة ظهرت مؤخرًا، وهي معايرة المدنيين بالهروب من ساحة معركة الندامة العبثية.

فبعد انسحاب الدعم السريع، ومشاهدة العالم لآلاف السيارات العابرة لكبري خزان جبل أولياء، فجأة ظهرت وجوه قبيحة على الشاشات، تدّعي البطولة، وتحاول إقناع الناس أنهم الشجعان، وأنهم من حرر الأرض.

هي محاولة رخيصة لتزييف واقع كان مشاهدًا بالصوت والصورة.

والأدهى والأمرّ أن من يقول غير ذلك من المدنيين يتعرض للقتل أو التهديد، وليس أدنى من ذلك

وفوق كل هذا، كشفت حرب الندامة هذه عن حجم القبح المكتوم في نفوس كثيرين، وخرج ذلك القبح إلى السطح بلا مواربة.

وأعادت إلى الواجهة ما يُسمّى بالجلالات، تلك التي ارتبطت في الذاكرة السودانية بأسوأ الفترات في تاريخ البلاد: سنوات القبح والنفاق، إسحاق غزالة، وغيرها من وجوه الشؤم التي لم تنتج يومًا وطنًا ولا كرامة.

إن أخطر ما في هذه الحرب ليس الخراب المادي وحده، بل الخراب الأخلاقي الذي يحاولون تطبيعه، وتقديمه على أنه بطولة، والصمت عنه على أنه وطنية.

هذه ليست حرب كرامة، بل حرب إفلاس شامل: إفلاس سياسة، وإفلاس أخلاق، وإفلاس معنى.

وكل محاولة لإعادة تدوير الهزيمة في هيئة نصر، أو الهروب في هيئة شجاعة، هي جريمة ثانية تُرتكب في حق شعبٍ أنهكته الخيانات قبل الرصاص.

وسيأتي يوم تُفتح فيه دفاتر هذه الندامة صفحة صفحة، وحينها لن تنفع الأناشيد، ولا الزي الكاكي، ولا شاشات التضليل، لأن الحقيقة — مهما تأخرت — لا تُهزم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى