اللاجئون بين مصر والسودان: معاناة واحدة وازدواجية معايير

اللاجئون بين مصر والسودان: معاناة واحدة وازدواجية معايير
وليم ساندى دى تور
منذ اندلاع الحرب السودانية، تحوّل ملايين المواطنين إلى لاجئين ونازحين داخل وخارج البلاد. ومع تدفق عشرات الآلاف نحو جمهورية مصر العربية، برزت شكاوى متزايدة عن سوء المعاملة، وعن حالات احتجاز وترحيل قسري لبعض السودانيين، حتى ممن يحملون بطاقات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو إقامات قانونية.
هذه الاتهامات – إن ثبتت – تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الذي يجرّم إعادة اللاجئين إلى مناطق النزاع، وتُلزم الدول المضيفة بتوفير الحماية الإنسانية لهم.
من حق السودانيين في مصر أن يطالبوا بالاحترام والكرامة، وأن يُعاملوا كضحايا حرب لا كعبء أمني. فهؤلاء لم يغادروا بلادهم اختيارًا، بل فرّوا من القصف والجوع وانعدام الأمان. وأي سياسة تقوم على الترحيل القسري أو التضييق المتعمد عليهم هي سياسة تفتقر إلى البعد الإنساني والأخلاقي.
لكن، وبينما ترتفع اليوم أصوات الغضب دفاعًا عن السودانيين في الخارج، يغيب الحديث – أو يكاد – عن مأساة أخرى لا تقل خطورة: معاناة اللاجئين الجنوبيين داخل السودان نفسه.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى وازدواجية المعايير.
ففي ولايات مثل النيل الأبيض، والجزيرة، وسنار، وكسلا، يعيش آلاف الجنوبيين أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة. في معسكرات “خور الورل” و“جودة” بولاية النيل الأبيض مثلًا، يعاني اللاجئون من نقص حاد في الغذاء والدواء والمأوى، وتنتشر بينهم الأمراض نتيجة تدهور الخدمات الصحية. وكثيرًا ما تُفرض عليهم قيود في الحركة والعمل، ويُنظر إليهم بعين الشك، خصوصًا بعد تصاعد الاستقطاب السياسي والحرب الداخلية.
وفي الخرطوم قبل سقوطها في أتون القتال، كان الجنوبيون يتعرضون بشكل متكرر لحملات تفتيش تعسفية واعتقالات عشوائية بحجة الإجراءات الأمنية. أما بعد انتقال مركز السلطة إلى بورتسودان، فقد تدهورت أوضاعهم أكثر، حيث فقد كثيرون مصادر رزقهم، وتعرض بعضهم للابتزاز والاستغلال، دون أن يجدوا حماية قانونية حقيقية.
بل إن حالات موثقة أشارت إلى إجبار بعض الجنوبيين على مغادرة مناطق معينة، أو حرمانهم من حق الإقامة والعمل، فقط لأنهم لا ينتمون إلى الطرف “المناسب” في معادلة الصراع السوداني.
هذه الممارسات لا تختلف جوهريًا عما يشتكي منه السودانيون اليوم في مصر، لكنها تمر بصمت إعلامي وسياسي شبه كامل.
وفي ولاية الجزيرة بعد أحداث القتال الأخيرة، تعرّض العديد من الجنوبيين للاعتداءات اللفظية والجسدية، واضطر بعضهم للنزوح مرة أخرى نحو حدود جنوب السودان، في مشهد يعكس عمق الهشاشة التي يعيشها هؤلاء اللاجئون داخل بلد كان يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا لهم.
السؤال الأخلاقي الذي يفرض نفسه هنا:
كيف نستنكر الترحيل القسري للاجئ السوداني من القاهرة، بينما نصمت عن التمييز الممارس ضد اللاجئ الجنوبي في كوستي أو مدني أو بورتسودان؟
كيف نطالب باحترام القانون الدولي خارج حدودنا، ولا نحترمه داخلها؟
إن سلطة الأمر الواقع في السودان تتحمل مسؤولية مباشرة عن حماية كل لاجئ على أراضيها، بغض النظر عن جنسيته. لكنها حتى اليوم لم تقدّم أي سياسات واضحة لحماية الجنوبيين، ولم توفر لهم الحد الأدنى من الأمن والخدمات، بل تُركوا لمصيرهم وسط فوضى الحرب والانقسام.
الإنسانية لا تُقاس بالجوازات، والكرامة لا تُمنح على أساس الانتماء السياسي. من حق السوداني في مصر أن يُحترم، لكن من حق الجنوبي في السودان أن يُحترم أيضًا. ومن غير المقبول أخلاقيًا أن نستخدم لغة التضامن عندما نكون نحن الضحايا، ثم نصمت عندما يكون غيرنا هو الضحية.
إن معاناة اللاجئين – أينما كانوا – هي نتيجة مباشرة لفشل النخب السياسية والحروب العبثية. والشعوب ليست مسؤولة عن أخطاء حكوماتها. لذلك يجب ألا تتحول قضية اللاجئين إلى معركة كراهية بين السودانيين والمصريين أو بين السودانيين والجنوبيين، بل إلى فرصة لمراجعة شاملة لسياسات اللجوء في المنطقة كلها.
الموقف الإنساني الحقيقي يجب أن يكون ثابتًا لا يتغير:
رفض الترحيل القسري في مصر، ورفض التمييز في السودان، والدفاع عن كرامة كل لاجئ بلا استثناء.
فالمعاناة واحدة، والوجع واحد، والإنسان واحد.
ومن دون هذا الفهم المتوازن ستبقى قضية اللاجئين مجرد أداة للمزايدة السياسية، بدل أن تكون قضية ضمير وإنسانية.
اللاجئ ليس عبئًا… بل إنسان يبحث عن الأمان.



