Site icon صحيفة الصيحة

مطاردون عبر خرائط الزمن

مطاردون عبر خرائط الزمن

خالد فضل

عرف السودانيون مصطلح الكشّة في مطالع عقد الثمانينات من القرن الماضي، في آخر خمس سنوات من عمر النظام العسكري المايوي بقيادة المشير الراحل جعفر النميري، وقد بدأ في تلك الحقبة من حقب تقلباته السياسية في الارتماء في حضن جماعة الإخوان المسلمين، وبالفعل أصدر كتابين بعنواني الحكم الإسلامي لماذا؟ والحكم الإسلامي كيف؟، فيهما أوضح الرئيس الكاتب رؤيته لمستقبل الحكم في البلاد استناداً إلى أحكام الشريعة الإسلامية وبموجب قوانين العقوبات التلمودية الواردة في شريعة سيدنا موسى عليه السلام التي وردت نصوصها كذلك في القرآن الكريم فيما عرف بتشريعات القصاص.

كان عرّاب جماعة الإخوان المسلمين في السودان الراحل حسن الترابي قد أبرم صفقة سياسية مع النميري فيما عرف بالمصالحة الوطنية في العام 1977م، وتولى هو وعناصر تنظيمه مناصب سياسية وتنفيذية رفيعة في ذلك النظام، شملت مناصب القضاء والنيابة العامة، ونشطت خلاياهم في القوات المسلحة وجهاز الأمن فضلا عن تأسيس البنوك الإسلامية التي وفّرت التمويلات الميسرة لعناصر التنظيم، وتحت ستار الدعوة ربحت التجارة وبارت قيم النزاهة وسادت ممارسات الاحتكار وبرزت المتاجرة بالعملات الحرة، فانحطت قيمة العملة الوطنية.

ضربت موجات الجفاف والتصحر أجزاء واسعة في أقاليم دارفور وكردفان وشرق البلاد، وتوالت موجات النزوح من تلك الأقاليم المهمشة صوب الوسط والعاصمة الخرطوم، العاصمة التي بدأت تتهيأ أكثر وأكثر لتصبح حاضرة الخلافة الإسلامية الجديدة، ولكن موجات النازحين، وسوء الخدمات وانتشار الفساد في مرافق الحكم ومؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية جعل من وفود تلك الجموع الجائعة هاجساً أمنياً، وساد تصور أن هؤلاء النازحين إنما يشكلون خطراً أمنياً داهماً يهدد سلطان الحكم الإسلامي الراشد. فما لأجل خدمة هؤلاء أعلنت الشريعة، لكنها أعلنت مقرونة مع إعلان قوانين الطوارئ والأحكام العرفية وتعطيل الدستور- على علاته- من أجل لجم أي بذرة ثورة أو تمرد على الجوع والفقر والديكتاتور الإسلامي الهائج. فكانت حملات الكشات التي تثير الرعب في أوساط الشباب بشكل عام، وأبناء المناطق المهمشة على وجه الخصوص، ولم تخف حملات الكشة وجهها العنصري والجهوي في استهداف الناس.

لقد ساد الفزع في تلك السنوات، والتلفزيون والراديو والصحف المملوكة لحكومة الشريعة الإسلامية تنشر في صدر أخبارها أنباء تلك الحملات باسم تفريغ العاصمة من المتبطلين والمتسكعين والمجرمين، مشفوعة بصور للبطاحات وهي تنوء بعشرات المحشورين فيها مثل السوام، ويختم الخبر عادة بأنّ هذه الشحنات من الشباب ستقوم بفلاحة الأرض وإعمارها وتحقيق التنمية والاكتفاء الذاتي حتى يصبح السودان سلة غذاء العالم.

توقفت تلك الحملات قليلاً خلال حقبة انتفاضة أبريل 1985م، لتعود أشرس وأعنف بعودة الإسلاميين في الجبهة الإسلامية للحكم عبر انقلاب العميد عمر البشير في يونيو 1989م. وتنوعت الكشات خلال ثلاثين سنة، ومورست خلالها أبشع الانتهاكات لحقوق الإنسان حتى صار السودان كله ساحة للكشات فهرب منه الملايين براً وبحراً وجوّاً. وظهرت حملات الكشة في السعودية على وجه التحديد في مواجهة مئات الآلاف من السودانيين الفارين من كشات الحكم الإسلامي بقيادة البشير.

الآن تنتشر وقائع حملات الكشة التي تشنها السلطات المصرية ضد اللاجئين عموماً والسودانيين بشكل أوضح ولعل ذلك لكثافة وجودهم في مصر بعد أن ضرب بلادهم زلزال الكشة الأعنف والأوسع. الكشات التي هرب الناس أمام جبروتها وبطشها بالملايين في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار، وفي أمواج الفارين مدنيون وعسكريون على حد سواء، كشة الحرب التي لا تفرز، طالت الشيوخ والنساء والأطفال مثلما طالت الشباب.

نحن أبناء الكشات الموروثة دون شك، شكراً الدكتورة أماني الطويل على كشف الغطاء، شكراً الزميلة أسماء الحسيني وجمهرة الزملاء الإعلاميين والمثقفين المصريين الذين أبدوا التعاطف مع محنة الكشات الراهنة في مصر، سعيكم مشكور، لكن ماذا سنقول عن شعب مكشوش طوال حياته، مطارد عبر خرائط الزمن.

Exit mobile version