مستقبل الصراع بين مناوي والاسلاميين داخل الجيش

الإسلاميون داخل الجيش السوداني: تسريبات اجتماع ضباط في أم درمان (الحلقة السادسة والأخيرة)
د. عبد المنعم همت
تكشف الحلقة السادسة والأخيرة من تسريبات اجتماع الضباط الوطنيين الإسلاميين، الذي انعقد في أم درمان بمشاركة سبعة عشر ضابطاً، عن قراءة داخلية متشددة لمسار تحركات حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، في ضوء نشاطه الخارجي، وتشابك علاقاته الإقليمية والدولية، وما اعتبره المجتمعون محاولةً لإعادة تشكيل موازين القوة في السودان خلال الحرب وما بعدها. وتأتي هذه القراءة في سياق قلقٍ متصاعد من تحولات الصراع، ومن إعادة إنتاج نماذج سلطة موازية تهدد بنية الدولة ووحدة القرار العسكري.
أجمع الضباط على توصيف مني أركو مناوي بوصفه فاعلاً علمانياً خرج من موقع المساومة السياسية إلى موقع الاشتباك المباشر على السلطة، مستفيداً من حالة التفكك التي تعيشها الدولة. ورأوا أن تحركاته لم تعد محكومة بمنطق الشراكة المؤقتة، وإنما تتجه نحو بناء قوة سياسية وأمنية موازية، تعمل على إعادة هندسة السلطة في دارفور، تمهيداً لتوسيع نفوذها على المستوى القومي. واعتبروا أن هذا التموضع يحمل في طياته مشروعاً يتجاوز الإقليم، ويستثمر هشاشة المركز لإعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد.
ناقش المجتمعون جولات مناوي الخارجية واتساع شبكة علاقاته مع دول غربية، خاصة ألمانيا وعدد من العواصم الأوروبية، واعتبروا أن هذه التحركات تمنحه غطاءً دولياً متقدماً. وأشاروا إلى قدرته على الجمع بين الانفتاح على الغرب، و(البراغماتية) في التواصل مع قوى إسلامية عند الضرورة، بما يتيح له التحرك في مساحات متناقضة دون كلفة سياسية مباشرة. وخلصوا إلى أن هذه الشبكة توفر له أدوات ضغط سياسية وإعلامية لإعادة صياغة ملف دارفور خارج الإطار المركزي للدولة.
شدّد الضباط على رفضهم القاطع لما وصفوه بمحاولة صناعة نموذج جديد، معتبرين أن مناوي يجري إعداده سياسياً وأمنياً ليُقدَّم بوصفه رئيساً علمانياً محتملاً للسودان في مرحلة ما بعد الحرب. ورأوا أن هذا السيناريو يُسوَّق للمجتمع الدولي على أنه بديل مقبول لإدارة المرحلة الانتقالية، مع تغليف المشروع بخطاب الاستقرار وإعادة الإعمار، في حين أنه يعمّق أزمة الدولة ويكرّس منطق القوى الموازية.
تناول الاجتماع ما اعتبره الضباط مسعىً لإعادة إدماج قوى الحرية والتغيير في المشهد السياسي، لتشكّل غطاءً مدنياً لمشروع مناوي، وتمنحه قاعدة سياسية تُكمّل الغطاء الدولي. ورأوا أن هذا التوجه يهدف إلى إنتاج تحالف مدني عسكري جديد، بواجهة مدنية، يعيد تدوير النخب نفسها التي فشلت سابقاً، مع منحها دوراً وظيفياً في مرحلة ما بعد الحرب.
اتهم المجتمعون مناوي بتوظيف الخطاب الدولي الإنساني والحقوقي لتطويق الإسلاميين سياسياً، واستخدامه أداةً للإقصاء ونزع الشرعية، عبر تحميلهم مسؤولية أزمات الحرب والدولة. واعتبروا أن هذا المسار يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تعريف الصراع في السودان بوصفه صراعاً مع الإسلاميين، بما يبرر استبعادهم داخلياً وخارجياً.
كشف أحد الضباط أن مناوي يعمل على تدريب وتأهيل قواته خارج السودان، في دول أفريقية وصفوها بأنها مرتبطة بأجندات إقليمية ودولية، من بينها إريتريا وإثيوبيا وكينيا. واعتبر المجتمعون أن هذا التوجه يعكس إعداداً ممنهجاً لقوة منظمة تعمل خارج سيطرة الدولة، بما يعزز مخاوفهم من إنشاء ذراع عسكرية مستقلة ذات ارتباطات خارجية، قادرة على فرض وقائع جديدة على الأرض.
وصف الضباط مناوي بأنه الخطر القادم على السودان من منظورهم، معتبرين أنه نتاج تداخل نفوذ استخباراتي غربي في الإقليم، وأن خطورته تكمن في قدرته على شرعنة مشروعه دولياً تحت عناوين إنسانية وتنموية، مع امتلاك قوة عسكرية قيد البناء. وقدموا تشخيصاً قاتماً لمستقبل دارفور داخل الدولة السودانية، معتبرين أن الإقليم، بتعدد حركاته وتناقض مطالبه، يطرح تحدياً بنيوياً للدولة المركزية. وذهب بعضهم إلى طرح خيار فصل دارفور بوصفه أقل الكُلف، وفق تصورهم، في ظل عجز الدولة عن استيعاب تناقضات الإقليم.
يرى بعض الضباط ، أن تفكيك نفوذ مناوي لا يتم عبر المواجهة المباشرة، بل عبر مسارات مركّبة، أبرزها:
١. العزل السياسي الناعم: تقليص حضوره في مراكز القرار وإضعاف قنواته مع المدنيين والداعمين الإقليميين.
٢. تفكيك الحاضنة العسكرية: إعادة ترتيب القوات المتحالفة معه إداريا وماليا وربطها بهيكل القيادة العامة.
٣. الحصار الرمزي والإعلامي: نزع شرعيته عبر خطاب يشكك في نواياه الوطنية ويصوّره كفاعل مصلحي.
٤. إعادة هندسة التحالفات: استقطاب حلفائه أو تفريغ تحالفاته من مضمونها عبر تسويات جزئية.
٥. الضغط القانوني والمؤسسي: فتح ملفات إجرائية لإبقائه في موقع الدفاع لا الهجوم.
تعكس هذه الحلقة الأخيرة رؤية إسلامية عسكرية ترى في مني أركو مناوي مشروعاً سياسياً عسكرياً مدعوماً خارجياً، يُعدّ لقيادة علمانية محتملة للسودان، مع إعادة تدوير تحالفات مدنية، وتوظيف الخطاب الدولي لإقصاء الإسلاميين، وبناء قوة مسلحة عبر التدريب الخارجي. وفي المقابل، تكشف هذه المداولات عن أزمة عميقة في تصور الدولة ووحدتها، واستعدادٍ نظري للتفريط في الأقاليم مقابل الحفاظ على نفوذ أيديولوجي يتآكل، ما يضع مستقبل السودان أمام مفترقٍ حاسم تتقاطع فيه الحرب، والهوية، ومعنى الدولة نفسها.




