تقرير أميركي: ميليشيات أيديولوجية تعمل داخل الجيش السوداني بتمويل رسمي
بقلم روبرت ويليامز
١٩ يناير ٢٠٢٦م
منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، لم يكتفِ الموالون لجماعة الإخوان المسلمين بدعم الجيش السوداني، بل توغلوا في صلب عملياته واستخباراته وسياسته.
نتيجة لذلك، أتاحت الحرب للمدافعين عن الجماعة (الإخوان المسلمين) الفرصة للعودة إلى البلاد خلسةً، متسترين بغطاء الدفاع الوطني.
سياسياً، عملت الأحزاب ووسائل الإعلام الموالية للجماعة جاهدةً لتقويض جهود وقف إطلاق النار، ورفض المفاوضات، ونزع الشرعية عن البدائل المدنية، مصورةً الحرب على أنها صراع وجودي ضد “عملاء أجانب” و”أعداء الإسلام”. هذا الخطاب ليس وليد الصدفة، بل هو مصمم لتبرير الصراع الذى لا نهاية له، مع مراعاة تصوير الجماعة كحليف لا غنى عنه في زمن الحرب.
على الرغم من اختلاف جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة أيديولوجيًا -حيث فضّل تنظيم القاعدة الكفاح المسلح، بينما فضّل أتباع الإخوان التغلغل التدريجي حتى الوصول إلى السلطة السياسية- إلا أنهما تقاربا تكتيكيًا. فقد شكّل السودان بيئةً مواتيةً مكّنت الشبكات المتطرفة من العمل بأقل قدر من القيود.
وفي ظل حكم الإخوان المسلمين، استضاف السودان أسامة بن لادن من عام ١٩٩١م إلى عام ١٩٩٦م.
من ناحية أخرى، تُبرز علاقة الإخوان المسلمين بحماس دورهم كوسيط إقليمي للحركات المسلحة.
أما بالنسبة لإيران، فقد وفّر السودان لها نفوذًا جغرافيًا. و نتيجة لذلك، وفّر الدعم الإيراني لأتباع الإخوان نفوذًا وموارد وأهمية إقليمية. حيث أثبت ذلك أن الأيديولوجية تأتي في المرتبة الثانية بعد الأعداء المشتركين والمصالح المتبادلة.
إن جماعة الإخوان المسلمين ليست تأثيرًا خارجيًا على نظام البرهان، بل هي عماده الأيديولوجي والتنظيمي.
إنّ نظامًا كالنظام السوداني، الذي يعتمد جوهره على حركةٍ لها تاريخٌ موثقٌ في استضافة تنظيم القاعدة، وتمويل حماس، والتعاون مع إيران، وتقويض التحولات الديمقراطية، لا يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً لتحقيق الاستقرار.
الحرب في السودان لها جبهاتٌ عديدة، لكن مركز ثقلها يبقى واحداً. ما لم تُكسر قبضة جماعة الإخوان المسلمين المتطرفة على الدولة، سيبقى السلام أملاً بعيد المنال، وسيظل عدم الاستقرار سياسةً سائدة.
النظام العسكري السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لا يعمل بمعزل عن غيره -بكل المقاييس ذات الأهمية. ففي جوهره قوة أيديولوجية وتنظيمية راسخة: ثوار جماعة الإخوان المسلمين السودانية.
وبينما تركز الاهتمام الدولي في الغالب على الحرب السودانية باعتبارها صراعًا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فإن هذا التصنيف الثنائي يحجب حقيقة أكثر أهمية. فالصراع هو أيضًا أحدث فصول مشروع الإخوان المسلمين الممتد لعقود من الزمن للهيمنة على الدولة السودانية -بالقوة عند الضرورة، وبالتغلغل عند الإمكان، وبالتحالفات الإقليمية عند الحاجة.
الإخوان المسلمين كقوة مؤثرة في زمن الحرب
منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، لم يكتفِ الموالون للإخوان المسلمين بدعم الجيش السوداني، بل اندمجوا في صلب عملياته واستخباراته وسياسته.
وقد حشدت الشبكات المرتبطة بالإخوان المسلمين آلافًا من ضباط المخابرات السابقين، والكوادر الإسلامية، وقدامى المحاربين في الحملات الجهادية السابقة للقتال إلى جانب القوات المسلحة السودانية. تم تنظيم هؤلاء المقاتلين في ميليشيات ذات توجهات أيديولوجية، أبرزها “كتيبة البراء بن مالك،” إلى جانب تشكيلات أخرى مثل “درع الوطن ودرع الشمال.” ووفقًا لتقارير موثقة، تلقت هذه المجموعات أسلحة وتمويلًا ودعمًا لوجستيًا عبر قنوات عسكرية رسمية، مما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين القوات الرسمية للدولة والميليشيات الإسلامية.
سياسيًا، عملت الأحزاب ووسائل الإعلام الموالية لجماعة الإخوان المسلمين جاهدةً لتقويض جهود وقف إطلاق النار، ورفض المفاوضات، ونزع الشرعية عن البدائل المدنية، مصورةً الحرب على أنها صراع وجودي ضد “عملاء أجانب” و”أعداء الإسلام”. هذا الخطاب ليس وليد الصدفة، بل هو مصمم لتبرير الصراع الذى لا نهاية له، و تصوير جماعة الإخوان المسلمين كحليف لا غنى عنه في زمن الحرب.
وقد وفر إنشاء ما يُسمى بهياكل “المقاومة الشعبية”، التي أقرتها قيادة البرهان، بيئة مؤسسية جديدة لجماعة الإخوان المسلمين، بعد حل حزبها الحاكم السابق رسميًا. في الواقع، سمحت الحرب للمدافعين عن الإخوان المسلمين بالعودة إلى السلطة خلسةً، تحت غطاء الدفاع الوطني.
نمطٌ مُثبت: من “القاعدة” إلى الحاضر
هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بأى شكّل من الأشكال. فموقف الإخوان المسلمين في الحرب الحالية يُحاكي سلوكهم خلال تسعينيات القرن الماضي، حين أصبح السودان أحد أهم مراكز شبكات الجهاد العابرة للحدود في العالم.
في ظل حكم الإخوان المسلمين، استضاف السودان أسامة بن لادن من عام(١٩٩١م إلى ١٩٩٦م)، موفرًا له ملاذًا آمنًا وفرصًا تجارية وحرية عملياتية. خلال تلك الفترة، أنشأ تنظيم القاعدة بنية تحتية مالية وزراعية وتدريبية داخل السودان، بدعم من الدولة. و لكن العواقب كانت عالمية. فقد انخرط السودان لاحقًا فيما يلي:
– محاولة اغتيال الرئيس المصري في إثيوبيا عام ١٩٩٥م.
– تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام ١٩٩٨م.
– الهجوم على المدمرة الأمريكية كول عام ٢٠٠٠م.
أدت هذه الروابط إلى تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب، وهو تصنيف استمر لما يقارب ثلاثة عقود.
على الرغم من اختلاف جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة أيديولوجيًا -حيث فضّل تنظيم القاعدة الكفاح المسلح، بينما فضّل أتباع جماعة الإخوان المسلمين التغلغل التدريجي من أجل الوصول إلى السلطة السياسية- إلا أنهما تقاربا تكتيكيًا. فقد شكّل السودان بيئة مواتية مكّنت الشبكات المتطرفة من العمل بأقل قدر من القيود. والدرس الذى يمكن استخلاصه واضح: عندما تُمنح جماعة الإخوان المسلمين، عبر تاريخها، صلاحيات من الدولة، فإنها تُمكّن قوى أكثر تطرفًا منها بكثير.
حماس والتمويل وبنية التشدد
تُبرز علاقة جماعة الإخوان المسلمين بحماس دورها كوسيط إقليمي للحركات المسلحة.
منذ أوائل التسعينيات، استضاف السودان مكاتب وكوادر وآليات استثمارية لحركة حماس. ولعب القيادى بجماعة الإخوان المسلمين، حسن الترابي، دور الراعي السياسي والوسيط، مساهماً في ترسيخ مكانة حماس الإقليمية. ومع مرور الوقت، استفادت حماس من معاملة تجارية تفضيلية، وإعفاءات ضريبية، وتدفقات رأسمالية غير مقيدة عبر شركات ومؤسسات خيرية سودانية.
بعد سقوط نظام عمر البشير عام ٢٠١٩م، فككت السلطات السودانية شبكة من الشركات المرتبطة بحماس، وصادرت عقارات وأراضي زراعية ومصانع ووسائل إعلام وشركات مالية تُقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات. وأكدت العقوبات الأمريكية لاحقاً أن ممولين سودانيين حوّلوا ما يقارب ٢٠ مليون دولار إلى حماس عبر هذه الهياكل.
لم يكن السودان مجرد مركز مالي، بل كان ممراً لوجستياً.
إيران: تحالف براغماتي و تداعيات استراتيجية
على الرغم من الخلافات السنية-الشيعية، اتسمت علاقة الإخوان المسلمين بإيران بالبراغماتية الاستراتيجية. خيث شكّل السودان نقطة عبور للأسلحة الإيرانية المتجهة إلى حماس، لا سيما بين عامي (٢٠٠٩م و ٢٠١٢م). فقد انتقلت أسلحة من إيران وليبيا -ما بعد القذافي- عبر السودان باتجاه غزة، مما ساهم في قرار إسرائيل بشن غارات متكررة على أهداف سودانية خلال تلك الفترة.
أما بالنسبة لإيران، فقد وفّر السودان لها نفوذًا جغرافيًا. و نتيجة لذلك، وفّر الدعم الإيراني لأتباع الإخوان نفوذًا وموارد وأهمية إقليمية. حيث أثبت ذلك أن الأيديولوجية تأتي في المرتبة الثانية بعد الأعداء المشتركين والمصالح المتبادلة.
جوهر نظام البرهان
تقود هذه الأنماط -مجتمعةً- إلى استنتاج لا مفر منه: جماعة الإخوان المسلمين ليست مجرد قوة خارجية مؤثرة على نظام البرهان، بل هي عماده الأيديولوجي والتنظيمي.
وتوفر فروع الإخوان المسلمين ما يلي:
– مقاتلين وميليشيات تدعم القوات المسلحة السودانية.
– خبرات استخباراتية وأمنية متغلغلة في مؤسسات الدولة.
– مبررات سياسية لحرب طويلة الأمد.
– شبكات إقليمية قادرة على حشد التمويل والدعاية والدعم الخارجي.
وبدورها، توفر قيادة البرهان للموالين للإخوان الشرعية والسلاح و صلة بالدولة، مُكررةً بذلك نفس الصفقة التي دعمت الحكم الإسلامي في عهد عمر البشير.
وهذا التكافل يفسر فشل الضغوط الدولية المتكررة للمفاوضات. فأي انتقال حقيقي إلى الحكم المدني من شأنه أن يُفكك سلطة الإخوان المُعاد تشكيلها -وهذا تحديدًا ما لا يستطيع النظام الحالي تحمله.
لماذا يُعدّ هذا الأمر مهمًا للولايات المتحدة؟
بالنسبة لصنّاع السياسة الأمريكية، لا يمكن حلّ أزمة السودان بالتركيز فقط على الشخصيات أو ديناميكيات ساحة المعركة. فلا بدّ من مواجهة الدور البنيوي لجماعة الإخوان المسلمين.
إنّ نظامًا كالنظام السوداني، الذي يقوم جوهره على حركة لها تاريخ موثّق في استضافة تنظيم القاعدة، وتمويل حماس، والتعاون مع إيران، وتقويض التحولات الديمقراطية، لا يمكن أن يكون شريكًا موثوقًا لتحقيق الاستقرار.
و بالتالى، فإنّ تجاهل هذه الحقيقة يُنذر بتكرار أخطاء التسعينيات، حين عُومِل السودان كدولة تقليدية، حتى في الوقت الذي كان يُنشئ فيه شبكات ستُزعزع استقرار المنطقة لاحقًا وتُهدّد المصالح الأمريكية.
الحرب الحالية في السودان لها جبهات عديدة، لكنّ مركز ثقلها يبقى واحدًا. ما لم تُكسر قبضة متطرفي الإخوان على الدولة، سيبقى السلام بعيد المنال، وسيبقى عدم الاستقرار سياسة مُتّبعة.
° روبرت ويليامز مُقيم في الولايات المتحدة.

