الجديد في علاقة الجيش بالشعب: مصادرة منازل المواطنين – ٤٠٠ منزل في كردفان مثالا–
بكري الصائغ
عودة الي حدث تاريخي وقع قبل (١٢٨) عام مضت:- جاء في كتب التاريخ السوداني، انه في يوم الجمعة ٢/ سبتمبر عام ١٨٩٨ وقعت معركة حربية ضارية في منطقة كري شمال امدرمان بين القوات المهدية والقوات البريطانية الغازية تدعمها قوات مصرية، بدأت المعركة في الساعة السادسة صباحا وشن الأنصار هجوما شاملا على القوات المحتلة ولم يستطيع أي جندي سوداني الوصول لمعسكر الغزاة وذلك لكثافة النيران، في تمام الساعة الثامنة صباحا أي بعد ساعتين من بداية المعركة أمر الجنرال هربرت كتشنر بوقف إطلاق النار بعد سقوط أكثر من (٢٥) ألف قتيل من الأنصار إضافة إلى أكثر من (٤٠) الف جريح، وانتهت المعركة بانسحاب الأنصار إلى غرب السودان ودخول كتشنر أم درمان عاصمة الدولة المهدية وقضي تماما علي من تبقي فيها من بقايا الأنصار ، وبعد ان آلت كل أمور له في البلاد، سعي لإقامة دولة عصرية جديدة، فكانت اولي إنجازاته انه لم يصادر منازل الأنصار في امدرمان، ولا قام بالاستيلاء علي قبة المهدي ومقر سكن عبدالله التعايشي وبقية افراد اسرته وحاشيته الكبيرة العدد، أبقي كتشنر كل شيء علي حاله القديم، ولم ينزع أملاك احد او طرد مواطن من منزله، بل ومن اجل تطوير البلاد بصورة مثالية متحضرة، قام كتشنر بمنح الإمام عبدالرحمن المهدي كامل جزيرة أبا كقطاع خاص له واسرته لتكون بداية حقيقة للتطوير الزراعة ونموها في المستقبل، عندما خرج المستعمر البريطاني من السودان عام ١٩٥٥، لم يكن أحد من المواطنين في كل عموم البلاد يشكو من انعدام السكن والمأوي او صعوبة في الحصول علي قطعة أرض سكنية.
بعد رحيل الحكم البريطاني، جاء من بعده في الحكم الجيش السوداني هادم الملذات ومفرق الجماعات الذي حكم البلاد لفترات طويلة- ومازال يحكمها، طوال (٥٧) عام من حكمه رأينا العجب العجاب، فعلي سبيل المثال قام الرئيس السابق جعفر النميري في عام ١٩٧٠ بعمليات تأميم ومصادرة لمؤسسات اقتصادية سودانية وأجنبية صغيرة وكبيرة، وبنوك وشركات وطنية، استثني النميري مساكن المواطنين من المصادرة ولم يقرب منازل أصحاب الشركات المصادرة، ولا سعي لطرد اسرة من سكنها، ولا فكر في الاستيلاء علي سرايا المهدي والقبة بعد أحداث الجزيرة ابا، رغم انه كان وقتها يعتبر الصادق المهدي وبقية افراد آل المهدي من ألد اعدائه.
واحدة من غرائب تصرفات عسكر العام الحالي ٢٠٢٦، ذلك الخبر الذي اثار دهشة كل من طالعه، وما كان أحد من المطالعين للخبر ان يتصور وصول البلاد الي هذا الحال المزري، فقد نشرت صحيفة “الراكوبة” في يوم الثلاثاء ٢٠/ يناير الحالي خبر تحت عنوان- “مصادر: الاستخبارات العسكرية تصادر 400 منزل في أم روابة بشمال كردفان.”-، جاء في سياقه: “كشفت مصادر مطلعة عن قيام الاستخبارات العسكرية بمصادرة نحو 400 منزل في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان، تعود لمواطنين وُجهت إليهم تهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع. ونقلت المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان رحاب سيد أحمد عن مصادرها تأكيدها لوقوع عمليات المصادرة، مشيرة إلى أن حي طيبة كان الأكثر تضررًا، حيث شملت المصادرة منازل مئات المواطنين، من بينهم: علي حسين، موسى سعد، سليمان الباهي، عبدالله محمد حامد، محمد أحمد سعيد، عادل سليمان الغالي، زهراء آدم إسماعيل، وصالح آدم. وفي السياق ذاته، أفاد شهود عيان بأن الخلية الأمنية في المدينة اعتدت بالضرب على زوجة الأستاذ صالح آدم وأخرجتها قسرًا من منزلها، وذلك عقب اعتقال زوجها.- انتهي الخبر-.
الشيء المؤسف في الخبر، ان هؤلاء الضحايا أصحاب هذه المنازل المصادرة لن يستطيعوا ان يستردوا مساكنهم التي هي الان بالطبع قد تم تسجيلها بأوراق جديدة لصالح قياديين عسكريين يقيمون بالولاة، او لشخصيات مقربة من الوالي او السلطة العسكرية الحاكمة في كردفان!!
والشيء الاخر المؤسف أيضا في الخبر، ان لا احد في السلطة الحاكمة في بورتسودان ستسعي لأنصاف أصحاب المساكن المصادرة في كردفان علي اعتبار ان المساكن قد آلت للضباط كغنيمة حرب، ومن حقهم أن ينعموا بالغنائم ويتمتعوا بمزاياها.
وهنا اسال الضباط العسكريين في القضاء العسكري، هل يجوز “قانونيا” للضباط في كردفان مصادرة مساكن السكان بعد اتهامهم بتهم ملفقة او لا تستند لدليل مادي؟!!، وحتي لو افترضنا ان سكان هذه المساكن المصادرة كانت عندهم علاقة بالدعم السريع، هل هناك قانون مكتوب وصريح يعطي القوات المسلحة الحق في مصادرة منازل المتهمين؟!
واخيرا، سؤال موجه الي الناطق الرسمي بإسم القوات المسلحة، ما تعليقكم علي تصرف القادة العسكريين في كردفان وقيامهم بمصادرة منازل مواطنين اتهموا بهتانا وزورا بتعاونهم مع الدعم السريع؟!!، وهل هذه المصادرة ستكون في المستقبل كبادرة لتاميم ومصادرة قادمة علي حساب ضحايا جدد في ولايات اخري؟!!

