محاكمة أحمد شفا حربنة للعدالة لتكريس عودة الكيزان
محمد يوسف وردي
فوجئت الساحة السياسية في السودان بالأنباء التي أكدت محاكمة رئيس التجمع النوبي أحمد شفا في دنقلا، إذ جاءت استجابة لدعوى كيدية رُفعت ضده من كتيبة البراءون التي تمثل النسخة السودانية من تنظيم داعش، وذلك في محاولة جديدة من تنظيم الحركة الإسلامية لتغييب الفاعلين المدنيين عن المشهد السوداني، إلى جانب تشويه رموز الثورة بهدف الإجهاز عليها نفسها.
إن محاكمة شفا بجريرة مواقفه السياسية ليست سوى نتيجة لاستهداف الكيزان للكوادر الوطنية المشرفة، وبهذا المستوى تعكس هذه المحاكمة شكل الانتقام الذي سيمارسه الكيزان بعد أن تستتب الأمور في أيديهم. هذا الوضع الجديد يضاعف مسؤولية القوى المدنية للعمل بصدق من أجل إنجاز الوحدة الضرورية في صفوف قوى الثورة، وتكثيف الدفاع عن أحمد شفا وآخرين يواجهون ذات الاستهداف، والتواصل مع المنظمات الدولية لتنوير الرأي العام العالمي بهذه المحاكمة الانتقامية.
تقع على قوى الثورة مسؤولية التمسك بالوعي الديسمبري الذي يرى في دحر كتائب الظل التي قتلت الثوار خلال المواكب الاحتجاجية تحدياً لمواجهة عرقلة إكمال مهام الثورة.
ولأن الجواب يظهر من عنوانه، فإن محاكمة أحمد شفا تنهض دليلاً على أن الكيزان يبيتون النية لإقامة نظام طالباني فج، تختفي فيه العدالة نهائياً. وليت السذج وسط القوى المدنية، وبالذات البلابسة، يفهمون أن المحكمة المنعقدة في دنقلا للقيادي السياسي شفا تمثل، في نظر الكيزان، فرصة مؤاتية لكوادر الحركة الإسلامية داخل النظام القضائي لقبض مفاصل التقاضي ضد خصومهم.
فوكلاء النيابات والقضاة الإسلاميون يتخذون من محاكمة شفا كبش فداء لتجريم الشرفاء من أمثاله. علاوة على ذلك، يهدفون إلى اعتبار المحاكمة أداة لرفع معنويات المهزومين والمحبطين في صفوف الكيزان، وفي ذات الوقت يتخذون التقاضي وسيلة لترهيب الخصوم وردعهم.
لقد سمعتم عن مزاعم أصحاب الدعوى داخل المحكمة، حيث ربطوا بين ما يتهمون به شفا وسقوط الفاشر. وذلك، لعجبي، ادعاء يبعث على الضحك، وما أكثر المضحكات في سودان الكيزان. لكن الحقيقة هي أن وجدان الكيزان المعتل لا يقوى على مد أصحابه بالابتكار وخلق شيء جديد، حتى في الكوميديا والإضحاك. لذلك هم يقرأون من الكتب القديمة التي تتحدث عن مواقع الحروب العديدة حول العالم، التي حدث فيها تحميل القادة المدنيين والأقليات العرقية والمعارضين عموماً مسؤولية الإخفاق في المعارك.
إن محاكمة شفا تمثل شكلاً من أشكال العمل الحربي البحت، والتي تتناقض مع بنود اتفاقيات جنيف، وهي محاكمة لا تسعى بأي حال للبحث عن الحقيقة بقدر ما تريد حربنة العدالة تكريساً لعودة الحركة الإسلامية إلى السلطة. وتلك، بلا شك، محاولة انتقامية مضاعفة بعد فشل حملات الاستنفار لعدم تجاوب المواطنين معها. يضاف إلى هذا أن الحرب الجارية نفسها تمثل جزءاً من مكيدة انتقام الكيزان من الشعب السوداني الذي أسقط مشروعهم الحضاري.
ولعلنا نذكر هنا أن الكيزان اندسوا مرعوبين في جحورهم عندما هبت رياح الثورة، وحاصرهم صوت كنداكات الثورة بالهتاف الديسمبري الشحمان: (أي كوز ندوسه دوس).
لقد أسقط ثوار ديسمبر المشروع العروبي الإسلامي ومركزه بكل جسارة واقتدار، وها هم ربائب المشروع من كيزان وأشباههم يحاولون إعادة الروح لمشروعهم الميت عن طريق الاستقواء بحفنة من انتهازيي الشمال الأقصى، وترويع المدنيين ونشر الرعب في محاكم الولاية، متناسين أن أيديهم المرتعشة، التي شلتها مليشيا خرجت من رحم نظامهم البائد، لا تستطيع أن تكسر إرادة أحفاد رماة الحدق، الذين هزموا جيوش الخلفاء الراشدين وردوهم من دنقلا مفقوئي الأعين.
نقولها مع المناضل أحمد شفا: لا للحرب، ونعم للسلام، لا للاستبداد، ونعم للحرية، لا للتهميش، ونعم للتعايش السلمي القائم على المساواة والعدالة. ونكرر ونعيد بأن وحدة القوى المدنية هي الترياق المضاد لتسلط الكيزان، وأن من المسكنة أن تستكين القوى المدنية وتستبعد حدوث العمليات الانتقامية الجائرة التي ستطالهم على يد الكيزان المستغلين لظروف الحرب.
وعلينا أن ندرك أن الثوار أمثال المناضل شفا هم الشرفاء الذين هدموا معبد الحركة الإسلامية على رؤوس قادتها وكوادرها في النيابات وسوح القضاء. بل ستبقى الحقيقة الساطعة هي ارتباط شفا بأرض الأجداد، مفضلاً خدمة القضية النوبية بصدق، وأهله على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ومنافحاً من أجل قيام دولة المواطنة. ولهذا فإن هذه المحاكمة الظالمة التي دُبِّرت له ليست سوى انتقام من أحد رموز الثورة الذين أحالوا المشروع الحضاري إلى مزبلة التاريخ.

