الإسلاميون داخل الجيش: تسريبات اجتماع ضباط في أم درمان (4)

البرهان في مرمى غضب الضباط الإسلاميين

الإسلاميون داخل الجيش: تسريبات اجتماع ضباط في أم درمان (4) البرهان في مرمى غضب الضباط الإسلاميين

د.عبد المنعم همت

تأتي هذه الحلقة الرابعة في سياق تناول اجتماع الضباط الوطنيين الإسلاميين، الذي عُقد بوصفه محاولة جادة لتوحيد التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، في ظل ما وصفه المشاركون بتفكك الموقف وتضارب الولاءات داخل الجيش. وقد انعقد الاجتماع في الثاني من يناير 2026، بمدينة أم درمان، الحارة 12، وضم سبعة عشر ضابطاً من المنتمين للتيار الإسلامي، ناقشوا خلاله جملة من القضايا المرتبطة بقيادة الجيش ومستقبل البلاد.

وتوقف الاجتماع مطولاً عند موقفهم من قيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للمؤسسة العسكرية. حيث ذهب أحد الضباط إلى وصفه بأنه بلا وزن حقيقي داخل الجيش، معتبراً أن ضعفه القيادي أسهم بصورة مباشرة في تضخم قوة الدعم السريع، وخلق اختلالاً خطيراً في ميزان القوة داخل الدولة. وأضاف المتحدث أن البرهان تآمر، بحسب توصيفه، على ضباط إسلاميين بارزين، من بينهم نصر الدين وعبد الباقي، عندما تصدوا لتوجهاته داخل المؤسسة العسكرية. وفي المقابل، اعترض ضابط آخر على تحميل البرهان كامل المسؤولية، مشيراً إلى أن الإخفاقات الحالية نتاج منظومة معقدة لا يمكن اختزالها في شخص واحد، وهو ما فتح نقاشاً داخلياً عكس حجم الانقسام في تقييم دوره.

ورغم هذا التباين، أجمع الضباط على أن البرهان يمتلك طموحات سياسية واضحة للوصول إلى رئاسة الدولة، وأنه سعى إليها بوسائل مختلفة دون أن يُكلّف بها رسمياً. واعتبروا أن لقاءه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شكّل ضربة قاسية للإسلام والمسلمين، وأحدث شرخاً عميقاً في الثقة بينه وبين التيار الإسلامي داخل الجيش. وأكد أحد الضباط أن البرهان يعمل بصورة ممنهجة على ضرب وحدة الإسلاميين، عبر تفكيك صفوفهم وإضعاف تأثيرهم داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.

كما ناقش الاجتماع تحالفات البرهان مع الحركات المسلحة، وعلى رأسها حركة مناوي، التي وُصفت داخل الاجتماع بأنها ذات توجه علماني متقلب. وذهب بعض الضباط إلى القول إن لديهم معلومات تفيد بوجود اتفاقات سرية بين هذه الحركات تهدف إلى التخلص من ما وصفوهم بـالمجاهدين، مؤكدين أنهم شاهدوا مؤشرات عملية على ذلك خلال مجريات الصراع. وفي هذا الإطار، اعتُبر هذا التحالف تهديداً مباشراً للتيار الإسلامي داخل الجيش، ومؤشراً على توجه أوسع لإقصائه من المشهد العسكري والسياسي.

وتطرق الاجتماع كذلك إلى علاقات البرهان الإقليمية، حيث قال ضباط إنه يعمل بتنسيق مباشر مع مصر والسعودية، وهما دولتان، بحسب تعبيرهم، تسعيان إلى ضرب نفوذ الإسلاميين في السودان. وأضاف أحد الضباط أن البرهان حاول، في مرحلة ما، الاستعانة بتركيا للوساطة بينه وبين الإمارات، في محاولة لإعادة ترتيب علاقاته الإقليمية بما يخدم بقاءه في السلطة. كما رأى المجتمعون أن لقاء البرهان بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أسهم في فقدان الجيش ثقة روسيا، وهو ما انعكس سلباً على موقع السودان في حسابات التوازنات الدولية.

وأشار ضابط آخر إلى أن البرهان قام بتعيين أحد كبار الموالين للإمارات في منصب وزير، واعتبر ذلك خطوة ترضية سياسية تعكس حجم النفوذ الخارجي داخل دوائر القرار. وأضاف متحدث آخر، قائلاً إنه عمل مع البرهان في دارفور، ويعرفه عن قرب، واصفاً إياه بالمراوغ الذي يعيش على إدارة الفتن وتغذيتها، لا على معالجتها. كما أشار إلى أن البرهان يعتمد على جهاز مخابرات خاص، جرى انتقاؤه بعناية من داخل الجيش والأمن وخارجهما، ويعمل خارج الأطر المؤسسية التقليدية.

وخلص الاجتماع إلى أن استمرار هذا النهج القيادي سيقود إلى مزيد من الانقسام داخل الجيش، ويهدد وحدة التيار الإسلامي، ويضع البلاد أمام مخاطر جسيمة، ما يستدعي، من وجهة نظرهم، إعادة تقييم شاملة لدور القيادة الحالية، والبحث عن صيغة جديدة تضمن تماسك المؤسسة العسكرية وتحفظ ما تبقى من استقرار الدولة.

ما تكشفه هذه الاجتماعات لا يمكن قراءته كخلاف عابر حول أشخاص أو مواقع نفوذ، فهو تعبير صريح عن أزمة عميقة داخل التيار الإسلامي نفسه، وداخل مؤسسة عسكرية جرى تحميلها أعباء السياسة والصراع الأيديولوجي لعقود. الصراع الدائر يعكس تنافس مشاريع سلطة متعارضة، تُستَخدم فيها الدين والقبيلة والعلاقات الخارجية أدواتٍ للصعود والتمكين، على حساب الدولة ومعناها الجامع.

تكمن الخطورة الحقيقية في الإصرار على اختزال الوطن في جماعة، والجيش في تيار، والشرعية في خطابٍ عقائديٍّ مغلق. هذا المسار قاد السودان إلى الحرب، ويدفعه اليوم إلى حافة التفكك. أي حديث عن إنقاذ البلاد يظل فارغاً ما لم يقم على جيشٍ وطنيٍّ مهنيٍّ، ودولةٍ تُبنى على المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، وسياسةٍ مدنيةٍ تحرر المؤسسة العسكرية من صراعات الطموح والهيمنة. دون ذلك، ستتوالد الاجتماعات، وتتراكم الاتهامات، بينما يواصل الوطن انحداره نحو مصيرٍ مفتوحٍ على الخسارة.

نكشف في الحلقة القادمة (الحلقة الخامس) عن رأي الضباط الاسلاميين في التعامل مع ايران والزيارات بين البلدين ومستقبلها وهل هناك دعم مقدم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com