إعادة صياغة الإنسان السوداني- توجه نظام لا ولاية
صفاء الزين
تصرفات سلطة الأمر الواقع تستدعي للذاكرة الجمعية محاولات نظام الإنقاذ محو مقرر التربية الوطني في بواكير أيامه، واليوم نشهد خطوة مماثلة تثير تساؤلات عميقة حول استقلالية العملية التعليمية ودورها الوطني، أصدرت الإدارة العامة للتعليم الابتدائي بولاية كسلا تعميمًا رسميًا يقضي بإزالة مضامين مرتبطة بثورة ديسمبر المجيدة وشعاراتها المركزية، وعلى رأسها «حرية، سلام، وعدالة»، إضافة إلى حذف موضوعات ووحدات دراسية كاملة من مناهج المرحلة الابتدائية جلها ترتبط بالتربية الوطنية، وهذا الإجراء يفتح بابًا واسعًا للقلق بشأن توظيف التعليم في صراعات السلطة، وتحويله من فضاء للتنوير وبناء الوعي إلى أداة لإعادة تشكيل الذاكرة وفق منظور سياسي ضيق؛ وهو ما يعني توجه النظام بكلياته لا ولاياته.
قراءة هذا القرار تكتسب معناها الكامل عند وضعه في سياقه العام، سياق بلد يعيش حربًا مدمرة، تكشف تطوراتها ومساراتها عن صلة وثيقة بمحاولات قوى النظام القديم وحلفائه استعادة النفوذ والانتقام من ثورة ديسمبر التي أنهت حكمهم وأسقطت مشروعهم السلطوي، وما يجري في المناهج يبدو امتدادًا لمعركة أوسع، انتقلت من ميادين السياسة والسلاح إلى ساحات الوعي والمعرفة.
ثورة ديسمبر تمثل لحظة تاريخية جامعة، عبّرت عن إرادة شعبية واسعة خرج فيها السودانيون دفاعًا عن قيم إنسانية كبرى تتمثل في الحرية والسلام والعدالة، وهذه القيم بطبيعتها، تتناقض مع أي منظومة استبدادية قامت على الإقصاء والقمع والبطش والتنكيل والأحادية الأيدولوجية، وهو ما يفسّر السعي المنهجي لإبعادها من الفضاء التعليمي، وتجريد المناهج من بعدها الوطني والإنساني.
النظام الذي عجز عن مواجهة الثورة عبر المسار السلمي، وأخفق في استعادة شرعيته من خلال التفويض الشعبي وافتعل الحرب الحالية، اتجه إلى إشعالها كوسيلة سياسية، ثم فتح جبهة موازية في ميدان الوعي، واستهداف المناهج التعليمية، خصوصًا في مرحلة الطفولة، يعكس محاولة لإعادة صياغة التاريخ وقطع الصلة بين الأجيال الجديدة وإرث الثورة، تمهيدًا لإعادة إنتاج بنية الحكم ذاتها التي رفضها الشعب، وهو تكرار لتجربة مشروعه الحضاري الإسلامي الذي ابتدع أكذوبة إعادة صياغة الإنسان السوداني.
التعليم يفقد جوهره التربوي متى جرى توجيهه لخدمة سلطة بعينها، ويتحول إلى أداة خطرة عندما تُفرغ مناهجه من مفاهيم الوطن والحرية والكرامة الإنسانية، فالمقررات الدراسية تتجاوز كونها نصوصًا تعليمية، إذ تسهم في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء شخصية المواطن القادر على فهم تاريخه، ومساءلة واقعه، والمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبله عبر الأنشطة الصفية واللاصفية.
إزالة ثورة ديسمبر من الكتب الدراسية لن تنجح في محو حضورها من الواقع أو الذاكرة العامة، كما أن الحرب ذاتها أخفقت في كسر إرادة السودانيين، والتاريخ يتشكل بفعل حركة ونضال الشعوب وتجاربها، وليس بقرارات إدارية، والثورات تترسخ في الوجدان الجمعي مهما جرى تجاهلها أو شطبها من الصفحات، أو محو رسوماتها من جدران المدارس والفصول.
إن ما حدث في كسلا يمثل حلقة ضمن سلسلة محاولات نظام أيدولوجي دكتاتوري عسكري للانتقام من ثورة ديسمبر، مرة عبر السلاح، ومرة عبر التعليم، غير أن الثورة التي أسقطت نظامًا استبداديًا راسخًا تملك القدرة على حماية ذاكرتها، وصون حق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها كاملًا، من دون تزوير أو إقصاء، وبما يضمن أن يظل التعليم فضاءً للوعي والحرية لا أداة للمحو والتشويه.
ويكتسب هذا المشهد العبثي بعدًا استراتيجيًا أعمق عند النظر إلى التعليم بوصفه أحد ميادين الصراع على الدولة نفسها، فالمعارك الكبرى بعد الحروب لا تُحسم فقط عبر ترتيبات سياسية أو أمنية، وإنما عبر السيطرة على سردية المستقبل: من يعرّف الوطن، ومن يحدد رموزه، ومن يزرع في وعي الأطفال معنى المواطنة. والانتماء، وهذه الحرب حاول مشعلوها تثبيت سردية آحادية تنال من شعوب بعينها وانتهى بهم المطاف إلى استهداف ثورة ديسمبر داخل المناهج، وهو ما يشير إلى إدراك مبكر لدى القوى المناهضة للتغيير بأن معركة الوعي أطول أثرًا من معركة السلاح، وأن إعادة إنتاج الاستبداد تمر عبر تشكيل أجيال منفصلة عن قيم الحرية والعدالة، ومن هنا يصبح الدفاع عن المناهج الوطنية جزءًا أصيلًا من معركة استعادة الدولة، ويتحوّل واجب حماية الذاكرة الثورية إلى مشروع مجتمعي واسع، تشترك فيه القوى السياسية والتربوية والثقافية، بهدف ترسيخ تعليم يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال القادمة أدوات نقدية تمنع تكرار المآسي، وتؤسس لسودان يقوم على الكرامة والعدالة والشمول.

