العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (٥) ..

كيف تُبنى شرعية مدنية في بلدٍ مُسلّح ومنقسم؟

العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (٥) .. كيف تُبنى شرعية مدنية في بلدٍ مُسلّح ومنقسم؟

 د. ناهد محمد الحسن

إذا كان السؤال في المقال السابق هو: لماذا يدافع بعض المدنيين عن عسكرة السياسة؟

فإن السؤال هنا أكثر إزعاجاً، لأنه لا يسمح بالمسافة الأخلاقية نفسها، ولا يتيح إجابة مريحة:

كيف يمكن الحديث عن شرعية مدنية في بلدٍ تتواجه فيه جيوش نظامية، وتتشكل حولها مليشيات وتحالفات متبدلة، وينتقل السلاح من يد الدولة إلى الأحياء، بينما المدنيون أنفسهم غارقون في صراعات جانبية تُدار أحياناً بلغة لا تقل قسوة عن لغة الحرب؟.

هذا ليس مشهداً سياسياً يمكن تبسيطه، ولا مرحلة انتقالية تنتظر ظرفاً أفضل. ما نعيشه هو حرب تتداخل فيها المستويات: عنف مباشر، وانقسام اجتماعي عميق، وتحوّل في الخطاب نفسه. جيشان يتواجهان، ومعهما قوى مسلحة مختلفة الولاءات، شرق متوتر يحمل بذور انفجار مؤجل، سلاح حاضر في الحياة اليومية، سجناء سابقون فروا ويحملون الان السلاح في الشوارع، واقتصاد يعاد تشكيله بمنطق البقاء. في الجهة الأخرى، كيان مدني متشظٍ إلى منصات وتحالفات وتيارات، لكل منها لغتها وذاكرتها وجرحها، حتى صار الخلاف يُدار بوصفه صراع هوية أكثر منه اختلافًا سياسيًا. ومع الوقت، بدأ هذا السلوك يعكس، من حيث لا يدري، منطق الحرب ذاته الذي يُفترض أنه يقاومه.

أما الشارع، فهو ليس في موقع الحكم ولا الاصطفاف. هو في موقع الإنهاك. فقد ثقته في الخطابات الكبيرة، وفي البرامج المؤجلة، وفي النخب التي تتحدث باسمه. يبحث عمّن يراه كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. عمّن يعترف بخوفه وتعبه وغضبه، بدل مخاطبته من موقع أعلى من تجربته.

من هنا فقط يمكن أن يبدأ أي حديث جاد عن الشرعية.

التاريخ الإنساني يقدّم دروساً واضحة، مهما اختلفت السياقات. من تجارب ما بعد الإبادة في رواندا، إلى مسارات التسوية الطويلة في كولومبيا، مروراً بالبوسنة ولبنان، يتكرر الدرس نفسه: لا يمكن بناء شرعية جديدة عبر إنكار الواقع. السياسة لا تولد من خطاب يتجاوز وجود السلاح، أو يقلل من عمق الانقسام، أو يتعامل مع المدنيين بوصفهم كتلة أخلاقية متجانسة. الاعتراف هنا ليس تبريراً ولا جلداً للذات، بل شرطاً أولياً لأي بداية عقلانية. نزع السلاح مسار طويل، والعقد الاجتماعي لا يُكتب دفعة واحدة، والمدنيون أنفسهم جزء من الأزمة بقدر ما هم جزء من الحل. هذا الاعتراف لا يضعف الموقف المدني، بل يحرّره من الوهم، ويعيده إلى العمل التراكمي بدل انتظار لحظة خلاص لن تأتي.

في علم السياسة، لا تُهزم العسكرة بالمواجهة المباشرة. البندقية لا تُسقطها بندقية أخرى، بل تفقد قوتها حين تفقد معناها الاجتماعي. السلاح يستمر لأنه يمنح شعورًا بالسيطرة، وبالانتماء، وبالحماية في عالم منفلت. وإذا لم تستطع السياسة المدنية أن تقدّم بدائل واقعية لهذه الوظائف، فلن تُقنع أحدًا بالتخلي عنه. السؤال الحقيقي ليس كيف نُنهي العسكرة فورًا، بل كيف نُضعف الشروط التي تجعلها ممكنة.

وهنا يصبح من الضروري إعادة التفكير في معنى السياسة نفسه. السياسة كما يراها كثيرون اليوم تختزل في بيانات، وصراعات نخب، وتنافس على تمثيل الألم. لكنها لا تُقنع لأنها لا تُنقذ. في المقابل، هناك ما يثق به الناس دون ضجيج: التكايا التي تطعم الجائعين، المبادرات التي تعالج الجرحى، المدارس المؤقتة في معسكرات النزوح، وشبكات التضامن التي تحمي الضعفاء حين تغيب الدولة. هذه ليست أنشطة إنسانية خارج السياسة، بل شكلها الأولي. هي تنظيم الحياة حين تنهار المؤسسات، وبناء معنى مشترك للبقاء في زمن الفقد. كثيرًا ما تبدأ الشرعية من هنا، من القدرة على حماية اليومي، لا من السيطرة على المنابر.

أخطر ما أنتجته الحرب، في هذا السياق، ليس انتشار السلاح وحده، بل تحوّل اللغة نفسها. في علم النفس الاجتماعي، تميل المجتمعات المصدومة إلى تبسيط العالم، إلى تقسيمه إلى معسكرات، وإلى نزع الإنسانية عن المختلف. حين تقع القوى المدنية في هذا الفخ، فإنها لا تخسر قدرتها على الإقناع فقط، بل تفقد تفوقها الأخلاقي، وتصبح جزءًا من الاستقطاب الذي تقول إنها ترفضه. خفض حدّة اللغة لا يعني التراجع عن الموقف، والنقد دون تخوين ليس ضعفًا، بل شرط أساسي لإعادة بناء الثقة. تعلّم إدارة الخلاف دون عسكرة الوعي هو أول تمرين فعلي على الدولة التي نريدها.

التجارب المقارنة للخروج من النزاعات تشير أيضًا إلى أن العقد الاجتماعي لا يبدأ من النصوص ولا من المؤتمرات المغلقة. غالبًا ما يتشكّل عبر ممارسة مشتركة محدودة، لكنها صادقة. ما يمكن أن يجمع المدنيين اليوم ليس الاتفاق على كل شيء، بل العمل معًا على حماية المدنيين، وتخفيف المعاناة، والدفاع عن قيم أساسية يشعر الناس بغيابها. هذا النوع من العمل يعيد بناء الثقة بشكل أفقي، ويخلق ذاكرة تعاون بديلة لذاكرة الصراع، ويُدرّب القوى المدنية على إدارة الخلاف في الواقع، لا في الشعارات.

العقد الاجتماعي، في النهاية، لا يُفرض ولا يُستنسخ. هو مسار طويل يبدأ حين يشعر الناس أن هناك من يعمل معهم، لا فوقهم. من يسمع خوفهم دون توبيخ، ويعترف بضعف السياسة دون التخلي عنها. عند هذه النقطة فقط يصبح النقاش حول نزع السلاح، والفيدرالية، والعدالة الانتقالية، وإعادة تعريف الدولة نقاشًا ممكنًا، لا ترفًا نظريًا.

سيظل شعار “العسكر للثكنات” ضروريًا، لكنه لن يتحول إلى واقع عبر الإنكار أو الاستعلاء الأخلاقي. يتحقق فقط حين يمتلك المدنيون القدرة على رؤية تعقيد بلدهم، والعمل داخله، دون ادعاء الطهارة، ودون استنساخ منطق الحرب الذي دمّر الجميع. الشرعية المدنية في السودان لن تكون لحظة انتصار، بل مسارًا طويل النفس، يبدأ من ترميم الثقة، وربط السياسة بحياة الناس كما هي، لا كما نحب أن نراها.

في المقال القادم، سنقترب من سؤال لا يقل صعوبة: كيف نعيد تعريف الوطنية خارج ثنائية السلاح والخيانة؟ وكيف يمكن بناء خيال سياسي لا يقوم على الخوف، بل على الاعتراف والمسؤولية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com