سيادة مفهوم الحدائق الخلفية

سيادة مفهوم الحدائق الخلفية

خالد فضل

أثارت العملية العسكرية الأمريكية ضد الرئيس الفنزويلي واقتياده مخفوراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية موجة عارمة من ردود الأفعال الدولية بين ناقد ومادح , معارض ومؤيد , وهي مواقف طبيعية بحسب الجهات الصادرة عنها .

هل مفهوم الحديقة الخلفية جديد في ساحة العلاقات الدولية والعمليات العسكرية الصريحة والمستترة, أم هو في الحقيقة نهج متواتر, فقد اجتاحت روسيا أوكرانيا بمفهوم حماية أمنها القومي الذي يهدده الرئيس زيلنسكي بتوجهاته نحو الإنضمام لحلف الناتو, نتيجة ذلك الإجتياح استمرار الحرب حتى الآن, وسيطرة روسيا على أقاليم في أوكرانيا. من بل اجتاحت سوريا لبنان في الثمانينات من القرن الماضي بنفس دوافع الأمن القومي, ثم اجتاحته إسرائيل بذات الذرائع . وفي كلا الحالتين كان لبنان يمثل حديقة خلفية لهاتين الدولتين. وقد سبق للرئيس العراقي صدام حسين اجتياح دولة الكويت وضمها إلى بلاده بصفة محافظة الكاظمة بإعتبارها حديقة خلفية لبلده ومصدر تهديد لأمنها القومي. وفي حرب اليمن يبدو أنّ السعودية تنطلق من نفس مفهوم الحديقة الخلفية المرتبطة بأمنها القومي ولهذا تمت عمليات القصف الجوي الأخيرة في محافظة حضرموت في حين تخوض ضمن تحالف دولي حربا منذ سنوات ضد جماعة الحوثي المسيطرة على اليمن الشمالي . هكذا تعددت الحالات التي تستهدف فيها بعض القوى الباطشة دولا أخرى تحت ذريعة الأمن القومي أو اعتبارها حديقة خلفية للبلد المعتدي. أما مسألة اعتقال الرئيس فقد حدثت من قبل مع رئيس بنما نوريغا مطلع التسعينات .

يبدو التعامل مع حالة السودان الآن بمفهوم ليس بعيداً عن مفهوم الحديقة الخلفية بالنسبة لمصر بصورة رئيسة والسعودية بدرجة أقل وذلك بحسب الموقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر كدولة مشاطئة للسعودية, وبحكم السودان دولة ممر لنهر النيل بالنسبة لمصر, وهما الميزتان الطبيعيتان اللتان يمتاز بهما السودان بحكم موقعه الجغرافي, وقد عزز من فرضية الحديقة الخلفية لدول أخرى حالة الهوان التي سار عليها السودان منذ الإستقلال وحتى اليوم, إذ ظل شأن الحكم والإدارة فيه بين يدي فئة من العسكريين  لستين سنة من أصل سبعين. وقد لخّص وزير الخارجية القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم الموضوع بعبارات صريحة تداولتها الوسائط الإعلامية عن رضوخ تلك القيادات لإملاءات ومصالح خارجية على حساب مصالح الشعب السوداني , ولم تجد تصريحاته تلك أي ردود من جانب قيادة العسكرية السودانية مما يعني ضمنيا عدم قدرتها على نفي تلك الإتهامات الصريحة  .

بالطبع مسألة تقديرات الدول لأمنها القومي تختلف من بلد لآخر, وتتفاوت تبعا لذلك القدرات في تنفيذ مهام تتعلق بحماية ذلك الأمن الوطني للدول, وكذلك مفهوم الحديقة الخلفية, وقد قيل في وصف تلك الحالة بأن ليس في وسع أحد الركوب على ظهرك ما لم تنحني له. والإنحناء هنا علامة ضعف وفشل على كل حال , واللوم يتجه أول ما يتجه إلى من يرضى لبلده بأن يصبح حديقة خلفية , تلك هي الحقيقة في تقديري, فالبلد المستقل فعلاً, والشعب الحر هو الذي يملك زمام أمره, يدير علاقاته مع جميع دول العالم بمفهوم الندية والعلاقات السوية دون الوقوع في متاهة الخذلان والإرتهان, وهذه الخصائص يحددها في الغالب نوع الحكم وطبيعته , فإذا كان النظام عنيفا وقامعا لشعبه تبدو مسألة خنوعه للإبتزازات الخارجية هي الفرضية الغالبة, أما النظام الديمقراطي الحر الذي يعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية فيبدو أقل قابلية للإبتزاز, وتظهر المقاومة كفعل عفوي وشرف وطني وقيمة إنسانية رفيعة. فأين موقعنا نحن السودانيين في بلدنا, وما هي حدود امتلاك الشعب لإرادته, تلك هعي معطيات الخروج من نفق كوننا حديقة خلفية أو مهددين للأمن القومي للجيران. وتبقى واقعة اعتقال مادورو الفنزويلي استمرارا لنمط عالمي تحدد فيه معايير القوة وضعيتك في عالم يسوده منطق الغلبة . فهل ينهض شعبنا السوداني من كبوته الطويلة أم نظل في دوامة الفشل تقودنا الطغمة الفاشلة الفاسدة من فشل إلى حضيض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com