Site icon صحيفة الصيحة

الشق والطق في استقلال السودان

الشق والطق في استقلال السودان

رشا عوض

أكبر شق في استقلال السودان هو الجيش! لانه مؤسسة مختلة هيكلياً، وعقلها مصمم على حماية قصر الحاكم من المحكومين وحدود الوطن في مخيلته هي حدود قصر الحاكم العام لا حدود السودان! حجر الاساس في بناء هذا الجيش كان الاورطات المصنوعة على أعين الاستعمار المصري الخديوي، اذ أن قوة دفاع السودان التي تطورت لاحقاً إلى الجيش السوداني كونها الاستعمار البريطاني من تلك الاورطات المستلبة لمصر، ولذلك ظل الجيش السوداني حتى هذه اللحظة ”أداة لاستتباع السودان سياسياً واقتصادياً لمصر” !!

أكبر طق في استقلال السودان هو أن النخبة السياسية التي قادت البلاد نحو الاستقلال لم تمتلك بصيرة وطنية نافذة تجعلها تكتشف ذلك ”الشق” وتضع له المعالجة الناجعة عبر قرار استراتيجي وتأسيسي بحله وبناء جيش جديد على اسس قومية ومهنية تجعله جيش السودان بحق لا جيش مصر في السودان! تجعله جيشاً مؤهلاً لينوب عن الدولة في احتكار العنف ويحمي حدودها ويلتزم بنظامها الدستوري والقانوني! جيش يحرس الشعب ولا يفرض وصايته عليه بالانقلابات ويحرمه من فرصة التطور السياسي الطبيعي وانضاج تجربته الديمقراطية بالتدريج.

* تطربني كلمات النشيد المجيد” اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا” بصوت الراحل المقيم الفنان محمد وردي وكل الأصوات الجميلة التي صدحت بهذا النشيد، فالفن الرفيع يشحذ الإرادة الى الوطن كما هو هو منحوت في جدارية الروح وكما هو لوحة مرسومة في الوجدان، أما الفكر السياسي فوظيفته تجسير المسافة بين الوطن الحلم والوطن في أرض الواقع، وانطلاقاً من ذلك فان نشيد المفكرين والسياسيين يجب أن يكون تحت عنوان ”متى نرفع راية استقلالنا” ؟ ومن هنا نبدأ ! من الواقع كما هو !

* شبه أول رئيس وزراء للسودان المستقل إسماعيل الأزهري استقلال السودان بالصحن الصيني الذي ليس فيه ”لا شق ولا طق”، بمعنى انه استقلال كامل ونظيف بدون شوائب، كانت تلك لحظات فرح الوهلة الأولى، ولكن بعد مضي سبعين عاماً وما حدث فيها من حروب أهلية طاحنة وفشل تنموي وانقسام الوطن إلى دولتين وانحداره الآن إلى حرب تنذر بتفككه، كل ذلك يستوجب مراجعات شاملة وجذرية للمنهج الفكري والسياسي والاقتصادي الذي اديرت به دولة ما بعد الاستقلال، مراجعات نقدية يجب أن لا تستثني نظاماً أو حزباً أو تياراً أو مؤسسة من الفاعلين المؤثرين في مفاصل الشأن الوطني العام، ويجب توزيع المسؤولية التاريخية عن الخراب الوطني الذي نحن في دركات حضيضه الآن حسب المساحة الزمنية التي انفرد بها كل نظام وحجم السلطة وأدوات السيطرة التي حاز عليها، فهذا أهم معيار موضوعي لاستكشاف مكامن الخلل بعيداً عن التعميمات الماكرة والغوغائية المصنوعة على أعين الدكتاتوريات العسكرية التي تريد أن تفرق دم الأزمة الوطنية بالتساوي بين الجميع! ومن ثم يتساوى من انفرد بسلطة استبدادية مدججة بالسلاح لعقدين أو ثلاثة عقود بمن كانت سلطته لعامين أو ثلاثة وفي سياق ديمقراطي وفي ظل مؤسسة عسكرية مستعلية تماما على سلطة المدنيين ومهيمنة عليها!

ليس هذا فقط بل وصل الجنون خلال حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣ لدرجة تعليق المسؤولية عن إحراق البلاد على رقبة الأحزاب السياسية والشخصيات المدنية وتبرئة المؤسسة العسكرية والأحزاب المسلحة التي تتقاتل وسط الأحياء السكنية بالأسلحة الثقيلة والطيران! تبرئتها بالكامل وتعليق وزر الحرب على القوى التي سعت لتفاديها قبل ان تندلع وبعد اندلاعها ظلت ساعية لايقافها!

” القوى المدنية من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ومثقفين” لا يجب ان تكون استثناء من النقد الصارم والمساءلة التاريخية عن الاخطاء التي ارتكبتها بالفعل، وعن الازمات التي صنعتها بالفعل ، وعن اي قصور او عدم كفاءة وسم اداءها في اي مرحلة تولت فيها السلطة او كانت في المعارضة ، ولكن المرفوض هو التدليس في كتابة التاريخ وترسيخ شهادات الزور التي صاغتها الانظمة الدكتاتورية الفاسدة وفرضتها كحقائق! هذا مرفوض لان تزييف الوعي بالتاريخ يمهد الطريق لتكرار اخطاء وخطايا الماضي في المستقبل، فعندما تركز الأبواق الإعلامية على أن المتسبب الأوحد أو الأكبر في أزمة السودان هو الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكل من يرفع رايات الحكم المدني الديمقراطي فإنها تريد ضبط بوصلة البلاد في اتجاه استبداد عسكري جديد وتريد تزييف وعي الشعب بصورة تجعله يلتمس الخلاص في الحكم العسكري بعد أن يكون نسي بفعل عمليات غسيل الدماغ الممنهجة حقيقة أن الحكم العسكري في السودان امتد لستة وخمسين عاماً من سنوات الاستقلال السبعين ونتيجته هي هذه الدولة الفاشلة المهددة بالتشظي إلى دويلات كل واحدة افشل من اختها!

* في عيد الاستقلال السبعين يجب ضبط البوصلة الفكرية والسياسية والاخلاقية باتجاه الحكم المدني الديمقراطي الرشيد، تجربتنا تقول بوضوح إن المرافعة التقليدية لصالح الحكم العسكري على أساس انه يحقق الامن والاستقرار ويحفظ النظام هذه المرافعة سقطت في السودان سقوطاً مدوياً فالمؤسسة العسكرية ممثلة في الجيش فشلت في احتكار العنف، والنظام الاسلاموي التي يريد العودة إلى الحكم بواسطة هذه الحرب كان سبباً في ولادة عدد كبير من المليشيات، ذلك النظام جعل البندقية هي الرافعة الوحيدة لحيازة السلطة وخلق واقع تعدد الجيوش وتبعاً لذلك تعدد البنادق المتنافسة على السلطة من جيش تحول الى حزب سياسي مسلح، ومليشيات الاسلامويين المتحالفة مع الجيش ترغب في الحكم من وراء الجيش، نتيجة ذلك كله هو انفجار نواة الاستبداد العسكري ممثلة في المؤسسة العسكرية باجنحتها المتصارعة على السلطة والمال في حرب وسط المدن والقرى المأهولة بالسكان فاستقبل المواطن الرصاص في اجساد اطفاله والدانات في سقف منزله! المحظوظ في هذه الحرب ناله التشرد والجوع والمذلة، أما المتعوس فوجد القتل أو الاعاقة بالسلاح المدفوع ثمنه خصماً من ميزانية طعامه ودوائه وتعليم ابنائه! أو وجد التعذيب في معتقلات الجيش بتهمة التعاون مع الد.عم السريع وهناك من تم تعذيبه مرتين في المناطق التي تبادل الطرفان السيطرة عليها! فهل مؤسسة عسكرية كهذه يمكن تبرير احقيتها بالحكم تحت شعار حفظ الامن والاستقرار ! اين الامن والاستقرار الذي حققته على مدة ستة وخمسين عاما وما عساها ان تحقق من امن واستقرار بعض ان انقسمت الى اجنحة متقاتلة على رؤوس المواطنين وتحولت الى مفرخة للمليشيات!

* في سبعينية الاستقلال يجب ان لا نساوم حول ضبط البوصلة الوطنية صوب السلام والحكم المدني الديمقراطي.

Exit mobile version