البرهان واستنزاف رصيد المراوغة: نهج البشير في نسخة أسوأ من الكذبوقراطية

البرهان واستنزاف رصيد المراوغة: نهج البشير في نسخة أسوأ من الكذبوقراطية

محمد المختار محمد

أجريت حواراً صحفياً مع رئيس حزب الأمة السابق الإمام الراحل الصادق المهدي في العاصمة المصرية القاهرة، في أبريل 2018، أي قبل إندلاع ثورة ديسمبر بشهور معدودة نشر في جريدة الجريدة، وتنبأ فيه بنهاية نظام الإخوان أنا متفائل بأن هذا السوء نذير بأن لابد أن يأتي انفراج، وأذكر أنني سألت الإمام عنإقالة وزير الخارجية وقتها إبراهيم غندور، جاءت اجابته بأن غندور اساءوا إليه وهو وزير خارجية، اخذوا منه الملفات المهمة واعطوها لغيره، وتقدم باستقالته في يناير، وكان عليه الإصرار لكنه قَبِلَ هذه الإساءة، ودفعوه للاستمرار، وأضاف المهدي كما يقول المثل السوداني ريسو وتيسو، فهو كان مريس ومتيس لذلك كان عليه أن يستقيل منذ يناير، وقال إن الملفات المهمة اخذت منه واعطيت لغيره لـ عوض الجاز وعلي كرتي، الأمر الذي دفعه إلى تقديم استقالته، حنسوه، وارضوه بصورة ما لكي يستمر، وما قاله في المجلس الوطني حقيقة وليس بشيء غريب، لكن أي انسان في هذا النظام يقول أي حقيقة، حتى السيدة التي قالت إن الامتحانات كُشفت حاكموها واتضح انها مكشوفة، هذا النظام لا يريد الحقيقة، وعندما قلت كلام كذلك فتحوا ضدي بلاغات، هذا الظلام لا يريد الحقيقة يريد التضليل والباطل، لذلك أي انسان يقول الحقيقة يحدث له ذات الأمر، عاجلته بسؤال آخر قلت له، بناءً على ما ذكرت لكن النظام يقتاد من هذا الأمر ويطيل عمره بهذه الطريقة؟، رد الإمام قائلاً: سمة من سمات هذا النظام الكذب، حتى أنني سميته كذبوقراطية.

مع قرب إكتمال العام الثالث للحرب، قال الفريق أول عبد الفتاح في حشد جماهيري اعده تنظيم الإخوان المسلمين في أم درمان أمس الخميس لا وجود للإخوان ولا علاقة لهم بالجيش،

وكما يقول المثل شر البلية ما يضحك، إذ لم يعد في جعبة قائد الجيش السوداني الذي تمتطي ظهره الحركة الإسلامية التي ترخى وتشد لجامه، سوى التكرار والتناقض والمراوغة المكشوفة. لقد استنفد البرهان رصيد المناورة السياسية واللف والدوران، والهروب من الالتزامات الأخلاقية، والإنسانية، والسياسية، والدبلوماسية، وبلغ في مواقفه مرحلة خطرة تنذر ليس فقط بإطالة أمد الحرب، بل بتمزيق السودان أكثر مما فعل نظام الإنقاذ الإخواني بقيادة الجنرال المخلوع عمر البشير، في نسخته قبل الثورة، والتي قسمت البلاد بعد تحويل طبيعة الحرب الأهلية إلى حرب دينية جهادية ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق.

ومن المضحكات المبكيات في مسرحية البرهان في أم درمان التي أخرجها الإخوان، عندما سألته مذيعة قناة العربية والحدث التي يبدو أنها مجهزة لتغطية الحدث الذي قيل عنه عفوياً، هل تقبلون دور للمجتمع المدني؟، رد عليها البرهان بعد أن تملكت وجهه إبتسامة ساخرة كادت أن تنفجر لضحكة مجلجلة قائلاً: المجتمع المدني موجود معنا وحاضر والتفت لجوغة تتبعة من الإخوان وحراساته وأضاف هؤلا الشباب كلهم

مجتمع مدني ويمثلون المدنيين، وردوا عليه بشكل جماعي الله أكبر الله أكبر.

من مفاوضات جدة الأولى والثانية، مروراً بالهروب من توقيع اتفاق المنامة، ومنبر جنيف، إلى الجهود الأمريكية الأخيرة في واشنطن، كان البرهان إما غائباً، أو معرقلاً، أو مخاتلاً. آخر فصول هذه المراوغة تجلت عندما رفض وفد الجيش التوقيع على هدنة إنسانية برعاية الولايات المتحدة في واشنطن، و في سابقة فجة عُرضَ على الوسيط الأمريكي رشوة سياسية، تمثلت في وقف هجوم قوات الدعم السريع على الفاشر مقابل الحصول على امتيازات في معادن السودان، كما ذكرت تقارير لوسائل إعلام ذات مصداقية عالية، بعد أن اوفد نظام بورتسودان وزير الخارجية محي الدين سالم الذي تحول هو الأخر إلى وزير للتوجيه المعنوي

لا يقل فوضوية وتهريجاً عن وزير الإعلام خالد الاعيسر، وما يقوم به سالم هذا ليست دبلوماسية على أي حال من الأحوال، بل نوع متهالك من الابتزاز السياسي الرخيص، يكشف أي درك انحدرت إليه قيادة الجيش المتحالفة مع فلول النظام السابق وجماعة الإخوان التي فتحت أبواب الجحيم على الشعب السوداني بحرب كريهة وفاجرة، وسدت كل سبل الحل والحياة في وجهه.

وبينما يبذل مستشار الرئيس الأمريكي الخاص، مسعد بوليس، جهوداً جبارة لتثبيت وقف إطلاق نار إنساني هدنة إنسانية. يعمل البرهان وفريقه الإخواني المصغر بقيادة الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي والقائد الحقيقي للجيش، والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية أحمد هارون، وأسامة عبد الله الذي يعد الدينمو المحرك لضباط جيش البرهان وخازن الأسرار، وغيرهم من قيادات النظام السابق الحاضر بقوة في المشهد الدامي الحالي، يهربون إلى الأمام، ويقابلون كل مبادرة بالإنكار والالتفاف، مدعين على لسان البرهان أنه لا يوجد إخوان مسلمون في الجيش، وكأن الكل أعمى عن خطابات قادة الصف الأول للحركة الإسلامية، وشبكات التنسيق العلني مع أنصار النظام البائد، والكتائب الإسلامية التي تقاتل أكثر من الجيش الذي أصبح وجوده رمزياً في شخص البرهان بعد أن استنفدت الحرب أغلب جنوده، وقضى الدعم السريع على العديد من المتحركات الضخمة منذ بداية الحرب.

بدا واضحاً أن الإخوان المسلمين يسعون عبر البرهان إلى التخلص من مسعد بوليس، بالهجوم عليه، مع تحريك الأبواق الإعلامية لمهاجمته، كما تخلصوا من قبل من مبعوث الأمين العام لإمم المتحدة ورئيس بعثة يونتامس، فولكر بيرتس، عندما أعلن نظام بورتسودان في 9 من يونيو 2023، رسمياً إن السيد بيرتس بات شخصاً غير مرغوب فيه، بل أبعد من ذلك يسعى الإخوان إلى التخلص والتملص من مبادرة الرباعية نفسها التي وضعت خمس مبادئ تبدأ بالهدنة الإنسانية وتنتهي بحكومة مدنية، إذ بدأ البرهان فعلياً بالحديث عن ما ظل يطلق عليه مبادرة الرئيس الأمريكي وولى العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهي مبادرة غير موجودة ولا يعرف عنها أحداً شيئاً غير البرهان الذي يحلم بشروط يهذي بها في اليقظة تحقق له ما عجز عن تحقيقه عبر الحرب.

هذه المواقف المتكررة لم تعد تمر على المجتمع الدولي والإقليمي دون ملاحظة، فالرباعية بقيادة الولايات

المتحدة، والإمارات، والسعودية، التي تحملت صبراً سياسياً طويلاً بدأت تفقد الثقة في جدية البرهان. والالاعيب التي يمارسها في رفض جهود الرباعية لمصلحة الإخوان المسلمين، ليس فقط تهورا سياسياً، بل مغامرة خطيرة بمستقبل السودان، وهو ما قد يفضي إلى فرض آليات دولية أكثر صرامة، وربما تهميش تام لأي دور مستقبلي للجيش في التسوية السياسية القادمة، والبرهان لا يبدو اليوم إلا نسخة مشوهة من البشير في أيامه الأخيرة: معزولاً، محاطاً بحلقة من الفلول والمنتفعين، يراهن على الزمن، ويهرب من الحلول الحقيقية، بينما السودان يتفكك والدماء تسيل، والجوع يعم، والسودانيون لا يحتاجون إلى خطب جوفاء أو نفي من البرهان بعدم وجود الإخوان لا قيمة له، ما يحتاجونه هو وقف حقيقي للحرب، والتزام إنساني شفاف، وتحرر من قبضة الإسلاميين والعسكر والبنادق، عبر أيلولة مصير السودان للشعب السوداني وقواه السياسية المدنية عبر حكم مدني ديمقراطي، لا إعادة تدويرهم عبر جنرالات يرتدون بزات عسكرية ويخدمون أجندات الماضي.

الوقت ينفد، والتاريخ لا يرحم..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com