تعدد الزيجات عند النساء: من وصمة ثقافية إلى وظيفة سلطوية

تعدد الزيجات عند النساء: من وصمة ثقافية إلى وظيفة سلطوية

د. الوليد آدم مادبو

المَرَهْ أَوَّلْ رجالها قال هِيِ فِليوه وإنت عدَّالها

وتاني رِجالها هِيِ سنيسلة عسل وإنتَ أكَّالها

وثالث رِجالها قال هشيمة ضَرْ وَإنتَ شيالها

قال رابع رِجالها سانية وإتقطعت حِبالها.

— مثل شعبي سوداني

الموروث الشعبي ليس خزانة حِكَمٍ بريئة، بل أرشيف علاقات قوة. فالأمثال، وإن بدت ابنة التجربة اليومية، تعمل في العمق كآليات ضبطٍ اجتماعي تُعيد تعريف المقبول والمرفوض، الطبيعي والمنبوذ. وهذا المثل المتداول عن زواج النساء، ولا سيما المرأة التي تكررت زيجاتها، مثالٌ كاشف على كيف تُحوَّل الخبرة النسوية إلى تهمة، والتجربة إلى وصمة.

يبدأ المثل بالزواج الأول، مشبَّهًا بـ«فِليوة وأنت عدَّالها». والمهرة في ثقافة البادية ليست مجرد دابة جميلة، بل قيمة رمزية: طراوة، نقاء، قابلية للترويض. هنا تُكافأ المرأة لا لذاتها، بل لعدم خبرتها. جمالها ليس في وعيها، بل في حداثتها، في كونها لم تُمسّ بعد بتجربة الفشل. هذه ليست صورة احتفاء بالأنوثة، بل صورة امتلاك ناعم، حيث تُختزل المرأة إلى مشروع قابل للتشكيل.

في الزواج الثاني، ينتقل التشبيه إلى خلية العسل «سنيسلة عسل وإنتَ أكَّالها». المرأة لم تعد مهرة، بل مصدر متعة ناضجة. غير أن العسل، في المخيال الجمعي، لا يُنتج في فضاء حر، بل داخل خلية منضبطة، مغلقة، لها نظامها الصارم. هنا تُسمح اللذة، لكن بشروط؛ تُقبل الخبرة، ما دامت لا تهدد البنية. إنها أنوثة مسموح لها أن تُمتع، لا أن تُعيد تعريف العلاقة.

ثم يأتي التحول الحاد في الزواج الثالث: «هشيمة ضَرْ وَإنتَ شيالها». فجأة، تصبح التجربة عبئًا، والمعرفة خطرًا. المرأة المتعددة الخبرات تُقدَّم بوصفها حِملًا، وفي داخل هذا الحمل دَبيب وثعابين. هذا ليس وصفًا للمرأة، بل تعبير عن خوف المجتمع من الأنثى التي لم تعد قابلة للخداع. هنا، كما تُشير القراءات النسوية، تتحول الخبرة إلى شيطنة، لأن الوعي يهدد الامتثال.

أما «رابعة الأثافي»، فهي الذروة العقابية، حيث تصبح الزوجة «سانية وإتقطعت حِبالها». لم تعد المرأة خطرًا ولا عبئًا، بل سقوطًا نهائيًا في بئر عميقة. حكمٌ رمزي بالإقصاء، لا من الزواج فقط، بل من الأفق الاجتماعي ذاته. هذا المستوى من الخطاب لا يناقش احتمالات الترميم أو التعافي، بل يُغلق الباب تمامًا، وكأن المجتمع يقول: هذه امرأة استُهلكت، ولا حق لها في إعادة البدء.

من منظور اجتماعي نسوي، لا يعكس هذا المثل حقيقة النساء، بل قلق النظام الأبوي من المرأة التي لا تنهزم بالطلاق. فكما نبّهت فاطمة المرنيسي في قراءاتها للبنى الثقافية، فإن الخطر لا يكمن في الجسد الأنثوي، بل في وعيه. المرأة التي راكمت التجربة تهدد التراتبية، لأنها لم تعد ترى الزواج كقدرٍ، بل كعلاقة قابلة للنقد. وتذهب نوال السعداوي أبعد من ذلك حين تفكك كيف تُحمَّل النساء تاريخيًا عبء فشل المؤسسات الاجتماعية، وعلى رأسها الزواج. فالطلاق، في هذا المنطق، لا يُقرأ كدليل على خلل بنيوي في العلاقة أو في توزيع السلطة داخلها، بل كعلامة نقص في المرأة نفسها. وهكذا يتحول النظام من موضع مساءلة إلى قاضٍ أخلاقي. أما إذا استدعينا بيير بورديو، فإن المثل يعمل بوصفه عنفًا رمزيًا: خطابًا يجعل النساء يتقبلن تصنيفهن بوصفه «حكمة شعبية»، لا حكمًا إقصائيًا. إنه عنف ناعم، لا يُمارَس بالسوط، بل باللغة، ويعيد إنتاج نفسه لأن الجميع يردده دون مساءلة.

في هذا السياق، لا تصبح أهمية المثل في شرحه، نقده، أو ترديده، بل في كيفية استدعائه داخل السلوك العملي للسلطة. فالمثل الشعبي هنا لم يُستحضر لغويًا فحسب، بل صار خارطة سلوكية تمشي عليها السلطة النسوية المتواطئة، تحدد ما يُسمح به وما يُحظر، وتعيد إنتاج قواعد الطاعة والامتثال دون الحاجة إلى نصوص رسمية. لم يعد المثل مجرد قدر ثقافي يُتلى، بل أداة فعلية للتحكم، تُستثمر عمليًا داخل المؤسسات، وتوجه القرارات وسلوكيات الأفراد، حتى يصبح الامتثال له شرطًا للبقاء في الدائرة الضيّقة للنفوذ.

حين تُقرأ التجربة النسوية في هذا الإطار، يتبدل السؤال المعتاد عن الظلم الفردي: هل ظُلِمت المرأة؟ إلى سؤال أعمق وأكثر جوهرية: متى تتحول المرأة من ضحية النظام الأبوي إلى شريك صامت في إعادة إنتاجه؟ هذا التحوّل في السؤال يحافظ على الحس النقدي، ويمنع الانزلاق نحو التبرئة أو التشفي، إذ يركز على البنية التي تصنع الدور، وليس على الدور نفسه. يصبح التركيز على العلاقة بين الفرد والنظام، وعلى كيفية استثمار الطاعة لتثبيت السلطة، وليس مجرد تقييم أخلاقي لأفعال المرأة وحدها.

وفي هذا الإطار، تأتي تجربة أميرة قرناص كنموذج، وليس كاستثناء. فهي ليست مجرد امرأة كثيرة الزواج، بل تجسيد لمسار سلطوي كامل: يبدأ بالامتثال الصامت، يمر بالتمكين المشروط، ثم الإرهاق الوظيفي، وينتهي بالتورط داخل شبكة علاقات تحمي النظام وتخفي إخفاقاته.

الخلاصة، لم تعد قرناص ضحية مثلٍ شعبي، بل أسيرة منطق دولة كاملة: دولة تُكافئ الطاعة، وتُجرِّم السؤال، وتخلط الخاص بالعام حتى يغدو الفساد فعلَ عائلة لا قرارَ مؤسسات. وهنا يتكشّف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في امرأة راكمت التجربة، بل في نظام استثمر في طاعتها، ثم تخلّى عنها عند أول اختبار للمساءلة.

وفي مشهدٍ كاشف عن هذا الإفلاس، يتراجع أحد رموز المنظومة عن المواجهة الفكرية والسياسية والأدبية، ويتوارى خلف زوجته، مختزلًا القضية في سردية أخلاقوية رخيصة: امرأة، تعدد زيجات، قذف، تشهير. غير أن هذا الاختزال ليس تفسيرًا، بل آلية هروب، وجزء أصيل من المشكلة ذاتها. فالإشكال لم يكن يومًا في التعدد، ولا في خيارات امرأة في حياتها الخاصة، بل في توظيف الزواج بوصفه أداة حماية داخل الدولة، تُبنى عبره جسور الصمت، ويُشترى به الولاء، ويُعاد إنتاج الفساد في هيئة علاقات إنسانية «مشروعة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com