Site icon صحيفة الصيحة

(الصيحة) تنشر النص الكامل لخطاب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي

السودان بين الحرب وخيار السلام الحقيقي والشامل

24ديسمبر، 2025

نيالا، جنوب دارفور

التحية للشعوب السودانية الأبيّة، الصامدة في كفاحها المستمر من أجل الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة.

التحية للنازحين واللاجئين، الذين دفعوا ولا يزالون يدفعون ثمناً باهظاً لهذه الحرب المدمّرة، ويتحمّلون في صمتٍ وألمٍ شديد المعاناة التي صنعتها النخبة العسكرية عامةً، والإسلامية منها خاصةً، سعياً للقضاء على ثورة ديسمبر المجيدة، ووقف مسار إعادة هيكلة الدولة السودانية، الذي انطلق بفضل تلك الثورة العظيمة.

التحية من قبل ومن بعد للجرحى والمفقودين ولشهدائنا الأبرار، شهداء ثورة الخامس عشر من ابريل والثورات السودانية العظيمة، الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل بناء دولةٍ تسودها العدالة والمواطنة المتساوية.

التحية والتهنئة الصادقة للشعوب السودانية باعياد الميلاد المجيدة واعياد رأس السنة الميلادية .

أخاطبكم اليوم وبلادُنا لا زالت تغوص في أتون الحربٍ، حرب الخامس عشر من أبريل، ضمن سلسلةٍ طويلة من الحروب التي فرضتها نخب عسكرية ومدنية عديمة الرحمة على شعوبنا، وأذاقتها كل صنوف البؤس والشقاء؛ من قتلٍ وتشريدٍ ونزوحٍ وحرمان لغايات سياسية أنانية وغير مشروعة، وعلى رأسها الاستمرار في السلطة والحفاظ على أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية تتناقض مع واقع بلانا وحقائقها التاريخية.

إن السودان، اليومُ أكثر من أي وقتٍ مضى، بحاجةٍ إلى موقفٍ وطني واضح وثابت تجاه قضايا الحرب والسلام ومستقبل الدولة، وذلك بسبب المحاولات غير المسؤولة التي تقوم بها سلطات بورتسودان للترويج لرواياتها التضليلية عن الحرب والتهرب من الجهود الدولية المبذولة لايقاف الحرب وتحقيق السلام، وآخرها ما تابعتموه من مجريات جلسة مجلس الأمن، التي انعقدت بطلبٍ منهم، بخصوص السودان ودولة جنوب السودان، مستغلةً في ذلك فترة العضوية المؤقتة لبعض الدول التي تناصرها في الحرب. إننا في حكومة السلام، وانطلاقاً من واجبنا ببيان الحقائق والتصدى للتزييف والسلوك غير المسؤول لدعاة الحرب وممجديها، نؤكد ما يلي:

أولًا:

إن إتاحة المنابر الدولية لفاقدي الشرعية، وأدوات أو دُمى الانقلابات العسكرية، ولمن يتهرّبون من استحقاقات السلام، تمثّل انتهاكًا صارخًا لمبادئ ومواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، الذي جمّد عضوية السودان على خلفية انقلاب عصابة بورتسودان.

كما أن تحفيز دعاة الحرب، وتوفير الغطاء السياسي أو الدبلوماسي لهم ولحواضن الإرهاب، أمرٌ مرفوض جملةً وتفصيلًا، ويجب أن يتوقّف فورًا وبلا أي مواربة أو تبرير.

ثانيًا:

إن ما يُسمّى بالمبادرة التي يطرحها كامل إدريس ليست سوى مانيفستو صريح لإدامة الحرب. فقد جرى إعدادها داخل أروقة الحركة الإسلامية قبيل اندلاع القتال، ثم تبنّاها البرهان عقب فراره من القيادة العامة، ويجري اليوم إعادة تسويقها والترويج لها عبر كامل إدريس. وهي، في جوهرها ومآلاتها، وصفة مضمونة لاستمرار الحرب، ولن تكون بأي حال من الأحوال طريقًا للسلام.

كامل إدريس ليس حاكمًا مدنيًا لسلطات بورتسودان، بل هو ربيب العسكر ودمية بيدِ دعاة الحرب، يردّد خطابهم وينفّذ أجنداتهم. هكذا كان منذ البداية، وهكذا تراه شعوبنا المكتوية بنيران الحروب، وهكذا سيخلّد التاريخ اسمه يومًا ما.

ثالثًا:

إن ما يكرّره البرهان وكامل إدريس من مبادرةٍ مزعومة لا يعدو كونه تنصّلًا واضحًا ومعلنًا من استحقاقات السلام. فقد طرحت دول الرباعية مبادئ واضحة وخارطة طريق محددة، تشمل هدنة لأغراض إيصال المساعدات الإنسانية. هذه المبادرة التي تمثل بارقة أمل للسودانيين، أيدتها غالبية المؤسسات الإقليمية، ومنها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوربي، ودعمتها واستبشرت بها القوى المدنية والسياسية السودانية.

وقد وافقنا في حكومة السلام على مبادئ الرباعية، ورحّبنا بها علنًا، وأعلنا استعدادنا الصادق للمضي قدمًا في تنفيذها بجدية ومسؤولية، كما رحّبنا بتصريحات الرئيس ترامب. ولم يكن موقفنا هذا نابعًا من ضعف، ولا بدافع طمع أو مساومة في مبادئنا التي أعلناها في ميثاق السودان التأسيسي والدستور الانتقالي للسودان لسنة 2025، وإنما تعبيرًا صريحًا عن إرادة شعبنا في إنهاء الحروب، ووقف نزيف الدم، وتحقيق سلام شامل وعادل يخاطب جذور الأزمة.

غير أن جيش الإخوان المسلمين، ومن يقف خلفه كامل إدريس، يواصلون التهرّب من كل هذه المبادرات الجادة، عبر طرح مبادرة غير منطقية وتدعو للسخرية، جرى الترويج لها على عجل في منبر دولي، قبيل انتهاء العضوية المؤقتة لبعض حلفائهم فيه، في محاولة مكشوفة لكسب الوقت وإدامة الحرب لا أكثر.

إن الإصرار على إعادة إنتاج روشتة الحرب لا يعدو كونه مناورة جديدة للتهرّب من مبادرة الرباعية الدولية الجادّة، والتنصّل من استحقاقات السلام، وإدامة دوّامة العنف والدمار.

رابعًا:

إننا بقدر اهتمامنا بالجانب السياسي للحروب الدائرة حالياً في السودان، نهتم بالمعاناة الكبيرة التي يعيشها السودانيين، لا سيما في الداخل. ولذلك لقد أكدنا مرارًا وتكرارًا، خلال اجتماعاتنا مع السيد توم فلتشر، على الضرورة الملحّة للتوصل إلى خارطة طريق واضحة وملزمة، تُمكّن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من الوصول غير المقيّد إلى جميع السودانيين دون أي تمييز، وفي كافة مناطق السودان، بعيدًا عن أي عراقيل أو اشتراطات أو ابتزاز سياسي.

ونؤكد اليوم مجددًا أننا نمتلك الإرادة الصادقة والاستعداد الكامل للتعاون غير المشروط، من أجل إيصال المساعدات الإنسانية إلى كل السودانيين الذين تُركوا عمدًا لمواجهة الجوع والموت والمرض والمعاناة، نتيجة سياسات التجويع المتعمدة واستخدام الغذاء والدواء كسلاح حرب.

خامسًا:

إن ما يرتكبه جيش الحركة الإسلامية، بقيادة البرهان وبإدارة كامل إدريس، لا يمكن توصيفه على الإطلاق كتجاوزات فردية أو أخطاء حرب معزولة، بل يمثّل سلوكًا ممنهجًا ومقصودًا يقوم على سياسة واضحة للتطهير العرقي والإبادة الجماعية.

ويتم تنفيذ هذه السياسة عبر الاستهداف المتعمّد للمدنيين على أساس الهوية، واللون، والانتماء الجغرافي، واستخدام أسلحة محرّمة دوليًا، بما في ذلك السلاح الكيميائي، إلى جانب الطيران الحربي والمسيّرات، التي دمّرت القرى، وأودت بحياة الآلاف من الأبرياء الذين لم تكن لهم أي صلة بالأعمال القتالية، سوى انتمائهم إلى جماعات إثنية وجغرافية بعينها.

وقد جرى توثيق هذه الجرائم في تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية مستقلة ومتخصصة، بما يرقى، وفقًا لمعايير القانون الدولي، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويستوجب المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

سادسًا:

لقد تقدّمنا بشكاوى رسمية موثّقة، ومدعومة بالأدلة والقرائن، إلى دول الرباعية، وإلى الأمم المتحدة، والدول الأعضاء في مجلس الأمن، وفي مقدمتها المملكة المتحدة والنرويج، إضافة إلى الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد، بشأن رفض جيش الحركة الإسلامية الالتزام بالدعوات المتكرّرة الصادرة عن الولايات المتحدة وبقية دول الرباعية لإقرار هدنة إنسانية.

وقد بادرنا نحن، من جانبنا، بإعلان التزامنا المنفرد بهذه الهدنة، انطلاقًا من مسؤوليتنا الأخلاقية والوطنية تجاه المدنيين، وحرصنا الصادق على وقف نزيف الدم وحماية الأرواح.

غير أن استمرار الصمت الدولي المريب، والتجاهل غير المبرّر لهذه الجرائم الفظيعة، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه تشجيعًا مباشرًا لجيش الإخوان المسلمين وميليشياته المتطرّفة على مواصلة القتل والتدمير، وترسيخ سياسة الإفلات من العقاب.

إن هذا الصمت لا يطيل أمد الحرب فحسب، بل يقوّض أسس العدالة الدولية، ويفرغ شعارات حماية المدنيين وحقوق الإنسان من مضمونها، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن دماء السودانيين يمكن أن تُراق بلا مساءلة ولا حساب.

سابعًا:

إن الإخوان المسلمين، في الماضي كما في الحاضر، يدفعون بلادنا دفعًا نحو الحرب والهاوية. وكما قادوا السودان سابقًا إلى التشظي والانقسام، فإنهم يعيدون اليوم إنتاج المأساة ذاتها.

وإذ نُذكّر أعضاء مجلس الأمن بمسؤوليتهم الأخلاقية والسياسية، فإننا نؤكد أن واجب المجتمع الدولي هو مواجهة معرقلي السلام، لا مكافأتهم أو توفير المنابر لهم. فهذه السياسات الخاطئة هي التي مكّنت البرهان من خداع المجتمع الدولي، ومهّدت لانقلابه المشؤوم على حكومة ثورة ديسمبر.

ثامنًا:

تؤكد حكومة السلام، مجددًا، موافقتها على هدنةٍ إنسانية فورية، واستعدادها الكامل للدخول في إجراءات سلام عاجلة وشاملة، استنادًا إلى مبادرة دول الرباعية والمبادئ التي قامت عليها.

كما نؤكد تمسّكنا الراسخ بوحدة السودان، القائمة على الإرادة الحرة لشعوبه، وعلى أسس العدالة والمساواة، وبناء دولة المواطنة المتساوية دون أي تمييز ديني أو عرقي أو جهوي، دولةٌ تعترف بتنوّعها وتحوّله إلى مصدر قوة واستقرار لا إلى ذريعة للإقصاء والحروب.

ختامًا:

إن الاستهانة بدماء السودانيين جريمة أخلاقية وسياسية وإنسانية لا يمكن تبريرها أو التغاضي عنها. فالصمت أمام هذه الوحشية لا يعني الحياد، بل يشكّل شراكة ضمنية في الجريمة، ولن يفضي إلا إلى مزيد من الفوضى والانهيار، ليس في السودان وحده، بل في الإقليم بأسره، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للسلم والأمن الإقليميين والدوليين.

ورغم عمق الجراح، وفداحة المآسي، وطول أمد المعاناة، فإن هذه الحروب لن تكسر إرادتنا، ولن تُثنينا عن خيار السلام، ولن تدفعنا إلى اليأس أو الاستسلام. بل ستزيدنا إصرارًا على مواصلة النضال من أجل إنهاء الحرب، وبناء دولة المواطنة المتساوية؛ دولة الحرية، والعدالة الاجتماعية، والسلام.

وإذ نتمسّك اليوم بمبادرة دول الرباعية بوصفها إطارًا جادًا ومسؤولًا لوقف الحرب والانطلاق نحو سلام مستدام، فإننا نؤكد ان هذا الموقف ليس موقفا طارئاً وانما يعبر عن  رؤيتنا المتكاملة نحو السلام الشامل وبناء وتأسيس الدولة السودانية على اسس جديد .أن حكومة السلام ستظل منحازة بلا تردد لإرادة الشعوب السودانية، ومدافعة عن حقها غير القابل للمصادرة في الحياة والكرامة والأمن، وماضية في العمل مع كل القوى الوطنية والدولية الصادقة لمعالجة الأسباب الجذرية لحروب السودان، وبناء سودان جديد يتجاوز المآسي، ويطوي صفحة العنف والظلم وهيمنة الإسلاميين مرة واحدة وللأبد.

وشكراً جزيلاً.

 

Exit mobile version