أين نقف… حين تختلط الأوراق ولا يعود الشر نقيًا ولا الخير كاملًا؟

أين نقف… حين تختلط الأوراق ولا يعود الشر نقيًا ولا الخير كاملًا؟

د.ناهد محمد الحسن

اولا احب ان اعتذر للقاريء/ة المهتم/ة بأنني سأتوقف مؤقتا عن مفاكرة اليسار السوداني لأكمل ما رفدني به المهتمون من كتب ووثائق لأقدم بحثا دقيقا ما امكن. وان يسمح لي القاريء بالخروج من عزلة فرضتها الحرب بتبعاتها وانهكتني كغيري من الكادحين من اجل امان الاسرة الصغيرة والكبيرة. و انا ارى كل من احبهم و احترمهم يتوزعون في معسكرات متقابلة..اجد نفسي ككثيرين في حيرة و انا اتأمل واقع السودان.

ربما أكثر ما يربكنا اليوم

ليس الحرب وحدها،

بل أن كل المعسكرات لم تعد صافية، وأن الخطوط التي اعتدنا أن نراها واضحة تداخلت، وتشابكت، وتلوّثت.

لم نعد أمام مشهد الوانه واضحة التمايز ،

بل أمام لوحة كثيفة الرماد. ولهذا يصبح سؤال: «أين أقف؟»

سؤالًا أخلاقيًا، وسياسيًا، ونفسيًا في آن واحد. المعسكرات ليست كيانات أخلاقية… بل تجمعات دوافع.

الخطأ الأول الذي اتورع من الوقوع فيه — ولو بحسن نية

هو التعامل مع المعسكرات كأنها كتل متجانسة، بينما الواقع يقول غير ذلك تمامًا. وان اسارع الى وصم الناس او قفل باب الحوار معهم.

في معسكر الجيش: هناك إسلاميون واضحون، لا يقاتلون دفاعًا عن الدولة،

بل دفاعًا عن بقائهم، عن الإفلات من المحاسبة،

عن استعادة سلطة لفظها الشارع. وهناك آخرون

لا علاقة لهم بالإسلام السياسي، لكنهم يخافون — بصدق — من انهيار الدولة، من الفوضى،

من التفكك، من المجهول.

وهناك مجموعات تشكلت حديثًا، مثل لواء درع السودان، لا يمكن فهمها بأدوات الأحزاب وحدها.

كثير من هؤلاء، أناركيون بالفطرة السودانية القديمة، لم يؤمنوا يومًا بسلطة مركزية، ولا احتفلوا حتى بالمهدية

حين كان العدو الاستعماري واضحًا بلا لبس. نهضوا معظمهم هذه المرة، لا طلبًا لحكم، ولا حنينًا لدولة، بل رد فعل غريزي للخوف على العرض، في لحظة رأوا فيها الاصطفاف العرقي يتقدم، والسلاح يقترب من البيوت. الإسلاميون يبدون موافقتهم لهم ظاهريًا، لكنهم يهاجمونهم تحت القناع، يستخدمونهم، ثم يشهرون فيهم عبر السوشيال ميديا، لأنهم لا يريدون شركاء… بل أدوات مؤقتة.

وفي معسكر الدعم السريع، الصورة ليست أبسط. هناك من انضم

لا حبًا في القوة، ولا إيمانًا بمشروع، بل انتقامًا شخصيًا أو جمعيًا من تعذيب، وبطش، وقهر إسلاموي لم يُنسَ ولم يُحاسَب.

وهناك من يرى في هذا المعسكر فرصة تاريخية لكسر مركز ظل يعيد إنتاج نفسه منذ الاستقلال. وهناك — نعم — انتهازيون، وشبكات مصالح، واقتصاد حرب لا يعنيه من يحكم بقدر ما يعنيه أن تستمر الفوضى.

الثوريون الحقيقيون… مأزق أخلاقي صامت

الأكثر إيلامًا أن ثوريين حقيقيين يوجدون في كل الجهات. أناس لم يخرجوا من بيوتهم من أجل سلطة، ولا من أجل مناصب، ولا من أجل محاصصات. لكنهم اليوم ينضمون إلى من يكرهونه أقل، ضد من يكرهونه أكثر. ليس لأنهم فقدوا بوصلتهم، بل لأن الخيارات تقلّصت إلى حدٍ قاسٍ. وهذا — إن شئنا الصدق —

أحد أكثر أعراض الانهيار السياسي خطورة: حين يُجبر الضمير على الاختيار بين ألمين، لا بين حق وباطل.

الساسة… والمشهد الذي

لا يُقال بصوت عالٍ

كثير من السياسيين — ولنكن صريحين — لا يبحثون عن خلاص جماعي، بل عن موقع.

لا يهم أي معسكر، المهم أن يمنحني ما أريد: منصب، دور، حصة في تسوية قادمة. وهكذا تتكاثر: شبكات المصالح،

الوسطاء، سماسرة السلام،

وتجار المواقف. هذا ليس استثناءً سودانيًا، بل سمة لحظات الانهيار الكبرى حين تسبق الغريزةُ المبدأ.

الجذرية أم التسوية؟ ماذا يقول التاريخ؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب، الذي يتكرر في كل ثورة فاشلة أو مؤجلة:

هل نختار الحلول الجذرية؟ أم نقبل بتسويات؟ التاريخ لا يعطي إجابة واحدة. أحيانًا كانت الجذرية

طريقًا للتحرر الحقيقي

حين: كانت القوى الشعبية متماسكة والعدو واضحًا وموازين القوة تسمح بالقطيعة. وأحيانًا تحولت الجذرية إلى عزلة، ثم إلى سحق،

ثم إلى ندم تاريخي، حين لم تتوفر شروطها.

وفي المقابل: بعض التسويات أنقذت مجتمعات من الإبادة،

وبعضها — كما تعلمنا في ديسمبر — أعادت إنتاج الكارثة المؤجلة. ليست المشكلة في الجذرية أو التسوية. بل في قراءة اللحظة.

مثال حي: المشهد الراهن حين يرفض بعض لجان المقاومة انضمام المؤتمر الشعبي لأنه جزء من الحركة الإسلامية — ولو انفصل —

فهم يفعلون ذلك من ذاكرة الجرح، ومن درس تسوية ديسمبر الفاشلة.

وحين تقبل قوى مثل صمود، بالتوقيع على تصنيف الإخوان تنظيمًا إرهابيًا كمقدمة سياسية،

فهي تحاول

إغلاق باب العودة القديمة

بآلية جديدة. كلا الموقفين مفهوم. ولا أحدهما خيانة. لكن الخطر

أن يتحول كل موقف

إلى هوية مغلقة تمنع التفكير من جديد

إذا تغيّرت الشروط.

إذن… ماذا نختار؟

ربما لا نختار معسكرًا، بل نختار معيارًا. معيارًا يقول:

لا شرعية للسلاح كوسيلة حكم، لا تبرير للانتهاكات مهما كان مصدرها، لا تسوية تعيد إنتاج البنية القديمة، ولا جذرية معزولة بلا أفق واقعي.

نختار: السلام لا بوصفه هدنة، بل مسار تفكيك

لشبكات العنف والمصالح.

نختار: أن نفهم دوافع الناس،من دون أن نبرر أفعالهم.

تحذير:

هذا المقال لا يدعوك إلى الطمأنينة. ولا يعدك بإجابة سهلة. لكنه يقول: إذا شعرت أن المشهد معقد، فذلك في تقديري لأنك ترى بوضوح.

وإذا ترددت، فذلك لأنك ترفض أن تكون أداة.

وفي زمن اختلاط الأوراق، قد يكون أكثر المواقف شجاعة

هو أن نتمسك بالإنسان

بين كل هذه المعسكرات،

وأن نترك الباب مواربا و لانغلقه في وجه الحوار، نواصل طرح السؤال — بصوت هادئ، وعقل مفتوح، وقلب لم يفقد قدرته على الحزن.

نواصل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى