هجليج: أساطيرُ السّيادة، وأشياء أخرى

بدون زعل

هجليج: أساطيرُ السّيادة، وأشياء أخرى

عبد الحفيظ مريود

تخفيفاً لوقعِ الهزيمة، الخسارة الفادحة والهروب المُذل، قرّر إعلامُ مليشيات البُرهان، أنْ يمرّرَ بأنَّ إنسحاب قوّاته من هجليلج، حقل النّفط الأكبر فى السُّودان، قد تمَّ بتنسيقٍ مع دولة جنوب السُّودان. بعضهم ذهبَ مسافةً أبعدَ من ذلك، بأنَّ جيش جنوب السُّودان قد انتشر فى حقل هجليج وما حوله، تأميناً للمنشآتِ النّفطيّة، ومنعاً “للمليشيا” من الدّخول، بموجب اتّفاقٍ مع دولة جنوب السُّودان، جرى توقيعُه فى أكتوبر الماضى. فهل ما حدث هو كذلك؟ أمْ يخبّئُ المضلّلون – مكلّلين بالهزيمة – شيئاً نكيراً آخر؟

مَنْ هى دولةُ جنوب السُّودان، فى سياق حقل هجليج؟

بعدَ عامٍ واحدٍ من نيلها استقلالها فى 2011م، قرّرَ جيشُ جنوب السُّودان احتلال حقل هجليج. يملكُ جنوبُ السُّودان روايةً تقولُ بأنَّ الأرض التى ينهضُ عليها البناءُ النّفطىّ، تقعُ ضمن حدوده. فهى من المناطق الثلاث، أو الأربع، التى ما تزالُ تمثّلُ نقاط خلافٍ بين الدّولتين. منها مناطق فى محليّة “الرّدوم” التّابعة لولاية جنوب دارفور، 14 ميل، التّابعة لشرق دارفور، ومنطقة “أبيئْ” فى ولاية غرب كردفان. ثمّة خلافات لم تَرقَ إلى وضعها على الطّاولة تتعلّقُ ب “كاكا التّجاريّة” فى أعالى النّيل، عمق مناطق قبيلة الشُّلُك.

قطع عمر البشير زيارته الرّسميّة إلى المملكة العربيّة السّعوديّة، وعادَ غاضباً، ليحسمَ أمر هجليج التى احتلّها جيشُ جنوب السُّودان. استدعى اللواء كمال عبد المعروف، وكان قائداً للكلّية الحربيّة، وأمَرَه باسترداد هجليج. كان الجيشُ، وقتئذٍ، قد فقدَ خبراء حربٍ كثيرين. فقد أحالَ عبد الرّحيم محمّد حسين، وزير الدّفاع أكثر من 12 ألفاً إلى المعاش. فالحربُ وضعتْ أوزارها، مع الجنوب، واتّخذتِ الحكومة سياسة تقشّف، تحسّباً للنّفط الهائل الذى خسرته فى حقول ولاية الواحدة، وولاية أعالى النّيل، فى عدارييل، باستقلال جنوب السُّودان. ذهبَ د. عيسى بَشَرىّ، ليستنهضَ المسيريّة، الذين أسرعوا النّهضة، وتحزّموا للقتال.

لم يكنْ هناك من أملٍ – بالطّبع – فى تسوية الملف مع جنوب السُّودان، سلميّاً. كما لنْ تُقدّمَ أىّ حكومة فى الخرطوم، أو بورتسودان، تسهيلاتٍ لتسوية ملفّاتِ النّزاعات الحدوديّة سلميّاً. فقد حشد الجيشُ وخاض معارك ضاريةً لطّردِ جيش جنوب السُّودان من “أبييْ”، حين دخلها. على عكس ملّفات نزاعاتٍ حدوديّة، واحتلال بالقوّة للأراضى السُّودانيّة، كما حدثَ فى مثلث حلايب، أو نتوء وادى حلفا، من قِبَل “الشّقيقة مصر”. فليس “الشّقيقاتُ” سواءً.

شايف كيف؟

كان تحريرُ هجليج من قبضة جيش جنوب السُّودان مرّاً. كبّدَ فيه السُّودان جنوب السُّودان خسائر مهولة. وانتفش الجيشُ السُّودانىّ زهواً، خيلاءً، ورقصَ طرباً. فقد هزمَ جيش الدّولة الوليدة، الذى ظلَّ يقاتله خمسين عاماً.

بعدَ تصريحاتِ العميد درموت، فى بابنوسة. التّصريحات الشّهيرة، تلكَ. لم يستطع درموت، ولا قوّاته إلّا أنْ يعطوا “الدّعّامة” أدبارهم هاربين. الذين نجوا، تسلّلوا إلى هجليج، اللواء 90، الذى يتبعُ للفرقة 22 فى بابنوسة. كانت مليشيّات البرهان تُراهنُ على أنّها ستصدُّ جميع محاولات تحرير هجليج. جهّزتِ القوّات نفسها فى هجليج، حفرتْ خنادقها، طمرتْ الكونتينرات، كما حدثَ فى الفاشر وبابنوسة. فالكتابُ الذى يقرأون منه واحد. واستعدت للمعركة. هل أحرز الدّعم السّريع تطوّراً، تقدّماً فى أساليب القتال، بعد انسحابه من ولايات الوسط والخرطوم، يجعله يفرضُ واقعاً جديداً على خرّيجى الكلّية الحربيّة؟

الوضعُ فى هجليج ينذرُ بكارثة، إذا ما حدثتْ مواجهات ضّارية.

ذلك أنَّ إصرار وعبقرية الكلّية الحربيّة، فى إخراج الدّعم السّريع من مصفاة الجيلىّ، بعد محاولاتٍ بائسةٍ، متكرّرة، فى الهجوم البرّىّ، هدتْ تلك العبقريّة جيش الإسلاميين إلى تدمير المصفاة، واستخدام السّلاح الكيماوىّ. هل لجنوب السُّودان مصلحةٌ فى عدم استخدام تلك العبقريّة، وتجنيب حقل هجليج النتائج الكارثيّة؟ نعم. ذلك ريبَ فيه.

أخذ رئيس جمهوريّة جنوب السُّودان زمام مبادرة تجنّبُ النتائج الكارثيّة. اتّصل الفريق أول سلفا كير ميارديت على قيادة الدّعم السّريع، بالسّماح لجيش البرهان بالانسحاب. وجدَ موافقة. رتّبَ سلفا كير مع البُّرهان أمرَ خروج جيشه إلى جنوب السُّودان. انسحبَ الجيشُ الذى قال عنه درموت – متفشخراً – بأنّه لن يعطىَ “دبرَه” لأحد. ونسىَ درموت أنَّ السّلوك، ذاك، كان دأباً للجيش. فقد دخل – من قبلُ – دولة جنوب السُّودان من حامية “الميرم”، القريبة من المجلد فى غرب كردفان ذاتها، كما دخل من مناطق النّيل الأبيض إلى أعالى النّيل، ودخل إلى تشاد من معبريْن اثنين، “الطّينة” و “أدرىْ”. ولّى الأدبار فى ولاية الجزيرة، فى الخرطوم، معارك الصّالحة، بحرى، شرق النّيل، وغيرها. إلى أنْ هدته “عبقرية الكلّية الحربيّة” إلى استخدام الكيماوى، الاستعانة بمليشيّات التغراىْ، وكتائب الإسلاميين صاحبة “البريقدار“.

شايف كيف؟

فى استقبالهم على أراضى دولة جنوب السُّودان، كان على جيش البُرهان المنسحب من هجليج أنْ يسلّم سلاحه. 8 دبابات، 23 ناقلة جنود، بعض المسيّرات، المدافع، وآلاف من الجنود والضّبّاط مجلّلين بالخزى والعار. حصلَ جنوب السُّودان على أسلحةٍ، فيئ. مما أفاء الله به على أكثر المكتوين والمتضررين من دولة ما بعد الاستعمار.

لذلك يهلّلُ إعلامُ جيش البرهان والكيزان بضربة مسيّرات لرموز إداراتٍ أهليّة كانت فى زيارة للإحتفال بتحرير حقل هجليج. استشهد على اثرها عُمَدٌ ورموز أهليّة، إلى جانب فنّان البادية وصوتها الصدّاح، إبراهيم إدريس. تنفيساً للغضب. خطواتٍ يائسة لرفع العار اللّصيق. كما فعلتْ فى “كتيلا”، فى “كُتُم”، فى “كبكابيّة”، على مدى يومين متتالييْن.

هل برد الحشا، قليلاً؟

هل انسترتِ الأدبارُ، وهى مولّية، قليلاً؟

لا أعتقدُ ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com